عضو في مجلس الأعمال الأمريكي- السوري يشرح

أي علاقة اقتصادية بين دمشق وواشنطن بعد رفع العقوبات؟

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك - 22 أيلول 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)

camera iconالرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك - 22 أيلول 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – وسيم العدوي

لم تكن الاستعادة “المشروطة” لشرعية التعامل المالي مع دمشق مجرد إجراء إداري عابر في أروقة واشنطن، بل شكلت تحولًا جيواقتصاديًا أنهى عقودًا من الشلل الخانق، بعد دخول قرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” حيز التنفيذ في 24 من آب الماضي، بهدف استكمال رفع العقوبات الشاملة والقيود الاقتصادية المفروضة على سوريا.

وتأتي هذه التطورات لتمنح الاقتصاد السوري فرصة للانخراط مجددًا في النظام المالي والتجاري الدولي بعد عقود من العزلة.

وتتوج القرارات الأمريكية سلسلة من الإجراءات التنفيذية والتشريعية المتلاحقة التي بدأت صيف عام 2025 بتوجيهات من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وشملت إلغاء “الكونجرس” قانون “قيصر”، وتحديث ضوابط التصدير المدنية، وإسقاط تصنيفات الإرهاب عن مؤسسات وقيادات سورية.

فتح باب التجارة وإلغاء القيود الشاملة

في ورقة حقائق صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، في آب الماضي، تحت عنوان “تخفيف العقوبات وضوابط التصدير المتعلقة بسوريا”، أكدت التحديثات الصادرة عن واشنطن أن العقوبات الأمريكية الشاملة لم تعد تشكل عائقًا أمام معظم الأعمال التجارية والأنشطة الاقتصادية في سوريا.

وأوضحت الوزارة في قرار صادر عنها أنه تم تسهيل متطلبات التصدير للسلع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج ذات المنشأ الأمريكي للمشروعات المدنية، إذ لم تعد السلع التقنية، وأجهزة الاتصالات الاستهلاكية، وبعض معدات الطيران المدني تتطلب تراخيص مسبقة.

كما وضعت آلية مسرعة للموافقة على التراخيص المتعلقة بقطاعات البنية التحتية الحيوية، مثل الاتصالات والمياه والصرف الصحي وتوليد الطاقة الكهربائية.

كما أزال إلغاء “الكونجرس” قانون “قيصر لحماية المدنيين” مخاطر فرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية والمستثمرين الدوليين الراغبين في المشاركة في مشروعات إعادة الإعمار وقطاع الطاقة السوري.

من الإعفاءات إلى الشطب النهائي

جاءت هذه التطورات المتسارعة وفق جدول زمني تمتد محطاته الرئيسة على مدار العامين الماضي والحالي:

  • بين أيار وحزيران من العام 2025، صدر إعلان ببدء رفع العقوبات، أعقبه صدور الأمر التنفيذي رقم “14312”، الذي أنهى حالة الطوارئ الوطنية والأوامر التنفيذية الستة السابقة التي شكلت الأساس التاريخي للعقوبات.
  • ما بين تموز وآب من العام ذاته، صدرت إعفاءات رئاسية وأخرى من وزارة الخارجية بموجب “قانون محاسبة سوريا” و”قانون الرقابة على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية” (CBW)، مما فتح المجال للتمويل الحكومي والمساعدات الخارجية المباشرة.
  • في أيلول 2025، بدأت وزارة التجارة الأمريكية تخفيف ضوابط التصدير المدنية، بالتوازي مع إلغاء وزارة الخارجية تصنيف “هيئة تحرير الشام” كـ”منظمة إرهابية أجنبية” (FTO)، وشطب مسؤولين سوريين بارزين من قوائم الإرهاب.
  • في تشرين الأول 2025، ألغى “الكونجرس” الأمريكي قانون “قيصر”.
  • في آب 2026، تم إلغاء تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” (SST) رسميًا، مع تعديلات على “لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة” (ITAR) لإلغاء سياسة حظر الصادرات والدفاع.

قيود متبقية وعقوبات موجهة ومحددة

شددت واشنطن على أن رفع العقوبات الشاملة لا يعني غض النظر عن الأنشطة غير المشروعة أو الجهات المزعزعة للاستقرار، إذ تظل العقوبات الموجهة (Individual & Targeted Sanctions) سارية المفعول على أفراد وكيانات محددة مدرجة في “قائمة الرعايا المصنفين خصيصًا” (SDN) التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية.

وتشمل القوائم المتبقية:

  • بشار الأسد وشبكة المقربين منه.

  • المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان.

  • شبكات تصنيع وتهريب مخدرات “الكبتاجون”.

  • التنظيمات الإرهابية والجهات التابعة لإيران ووكلاؤها بموجب الأمر التنفيذي “13894”.

  • المرتبطين بأنشطة انتشار أسلحة الدمار الشامل السابقة.

خبير ضريبي ومالي: لا تزال هناك عقوبات مستهدفة

أكد عضو مجلس الأعمال الأمريكي- السوري (USSYBC)، والخبير الضريبي والمالي لؤي الحمصي، أن من الضروري عدم تفسير رفع تصنيف “SST” على أنه إنهاء تلقائي لجميع القيود الأمريكية المتعلقة بسوريا، إذ لا تزال هناك ضوابط وعقوبات مستهدفة تستند إلى قوانين وسلطات تنظيمية مستقلة.

وكان التصنيف يفرض قيودًا على تقديم بعض أشكال المساعدات الأمريكية للحكومة السورية، وعلى مشاركتها في بعض البرامج الحكومية الأمريكية، ومع رفع التصنيف أُزيل المانع، ما يتيح، من حيث المبدأ، مجالًا أوسع مستقبلًا للتعاون والمساعدات والبرامج الفنية، ولكن بشكل مشروط.

وقد تتجاوز أهمية هذا الجانب المساعدات التقليدية، بحسب الحمصي، إذ يمكن أن يفتح المجال أمام أشكال أوسع من التعاون الفني والمؤسسي بين الجهات الحكومية السورية ونظيراتها الأمريكية في المجالات الاقتصادية والمالية والتنظيمية.

وقال الخبير السوري، إن تصنيف سوريا كـ”دولة راعية للإرهاب” كان يمثل أحد العوائق القانونية أمام بعض أشكال الدعم والتمويل الحكومي للصادرات الأمريكية، بما في ذلك ما يرتبط ببنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM).

ويزيل رفع التصنيف أحد الموانع القانونية المرتبطة بوضع سوريا السابق، لكنه لا يعني أن تمويل “EXIM” أصبح متاحًا لسوريا بصورة تلقائية.

ما تمويل “EXIM” الأمريكي؟

هو التمويل الذي يقدمه أو يضمنه بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (Export-Import Bank of the United States – EXIM)، وهو وكالة ائتمان تصديري رسمية تابعة للحكومة الأمريكية.

إتاحة التميل والضمانات تظل خاضعة لسياسات البنك وجدول القيود القطرية والتقييمات الائتمانية والمخاطر والمتطلبات القانونية والتنظيمية الأخرى ذات الصلة، وفق الحمصي.

ومن ثم، فإن الأهمية الاقتصادية للقرار تكمن في إزالة أحد العوائق أمام إمكانية استخدام أدوات تمويل وضمان الصادرات الأمريكية مستقبلًا، إذا استُكملت المتطلبات والقرارات اللازمة لذلك.

وقد يكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى المشروعات الكبرى التي تحتاج إلى معدات وتكنولوجيا أمريكية وتمويل طويل الأجل.

قيود الصادرات والتكنولوجيا والحصانة

قال الخبير الحمصي، إن تصنيف “SST” أدى في السابق إلى تطبيق ضوابط إضافية على تصدير بعض السلع والبرمجيات والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.

ويزيل رفعه الأساس القانوني للقيود التي كان تطبيقها قائمًا تحديدًا على التصنيف، بحسب الخبير الضريبي والمالي، لكنه لا يعني انتهاء جميع ضوابط التصدير الأمريكية، وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين.

كما لا تعني إزالة التصنيف إنهاء القيود القانونية الخاصة على مبيعات ونقل الأسلحة والمواد والخدمات الدفاعية الأمريكية، أو السماح بهذه الصادرات، إذ توجد أنظمة وسلطات رقابية مستقلة، وفي مقدمتها لوائح التجارة الدولية بالأسلحة (ITAR)، يجب التعامل معها بصورة منفصلة.

وأضاف الحمصي أن “SST” أتاح في ظروف معينة تطبيق استثناء الإرهاب من قانون الحصانات السيادية الأجنبية (FSIA)، بما كان يسمح بإقامة أنواع من الدعاوى ضد الدولة السورية أمام المحاكم الأمريكية لا تكون متاحة عادة ضد الحكومات الأجنبية.

ومع إلغاء التصنيف، يتراجع الأساس المرتبط بهذا الاستثناء بالنسبة إلى الحالات المستقبلية التي يحكمها قرار الإلغاء، بما يعزز بصورة عامة قدرة الدولة السورية على الاستفادة من قواعد الحصانة السيادية، مع بقاء الدعاوى والأحكام والأحداث السابقة خاضعة لتفاصيل قانونية مستقلة.

وبحسب الخبير، توضح هذه النتائج أن رفع التصنيف ليس مجرد تغيير سياسي أو دبلوماسي، بل يحمل آثارًا عملية محتملة على التمويل والتجارة والاستثمار والتعاون الحكومي والمخاطر القانونية السيادية.

من العقوبات الواسعة إلى الأشخاص والكيانات

يتمثل التحول الأهم في انتقال البيئة التنظيمية الأمريكية تدريجيًا من نموذج يقوم على العقوبات الواسعة والعزلة الاقتصادية إلى نموذج أكثر تركيزًا على الأشخاص والكيانات والأنشطة ذات المخاطر المحددة.

وقال الخبير الضريبي والمالي السوري، إن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بعقوبات مستهدفة ضد عدد من الأشخاص والكيانات (مدرجة في ثنايا قرارات عن جهات حكومية أمريكية أخرى)، الأمر الذي يعني أن الشركات الأمريكية والدولية الراغبة في دخول السوق السورية ستظل بحاجة إلى أنظمة قوية لفحص الأطراف المقابلة، والتحقق من المستفيد الحقيقي، والالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وكانت وزارة التجارة الأمريكية اتخذت بالفعل خطوات مهمة لتسهيل التجارة المدنية مع سوريا، وأصبح من الممكن، ضمن الشروط والضوابط المعمول بها، تصدير وإعادة تصدير السلع والبرمجيات والتكنولوجيا التي كانت ممنوعة، ما لم تكن المعاملة خاضعة لمتطلبات ترخيص أخرى.

وتابع عضو مجلس الأعمال الأمريكي- السوري أن سياسة الترخيص أصبحت أكثر مرونة تجاه بعض الصادرات التي تدعم التنمية الاقتصادية والاستخدامات التجارية والمدنية، بما في ذلك قطاعات:

  • الاتصالات.
  • المياه والصرف الصحي.
  • توليد الكهرباء.
  • الطيران والخدمات المدنية الأخرى.

لكن السلع والبرمجيات والتكنولوجيا المدرجة على قائمة الرقابة التجارية (Commerce Control List – CCL) تظل، كقاعدة عامة، خاضعة لمتطلبات الترخيص، ما لم ينطبق عليها أحد استثناءات الترخيص المتاحة بموجب اللوائح، كما تبقى هناك قيود منفصلة مرتبطة بالمواد والخدمات الدفاعية بموجب “ITAR”.

ويُنتظر أن تسهم التعديلات القانونية والتنظيمية الأمريكية الأخيرة في تشجيع البنوك والمؤسسات المالية والشركات الدولية على استئناف معاملاتها مع سوريا دون خشية الملاحقة القضائية الأمريكية، مع التأكيد على وجود ضوابط صارمة لضمان عدم وصول الموارد المالية إلى الكيانات والأفراد المدرجين في القوائم السوداء.

وعقب إزالة اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، أكدت الإدارة الأمريكية الاحتفاظ بصلابة أدوات الأمن القومي، مثل “قانون السلطات الاقتصادية للطوارئ الدولية” (IEEPA)، للتدخل والمحاسبة عند الضرورة، مشددة في الوقت نفسه على التزامها بدعم سوريا مستقرة وموحدة تعود لتلعب دورها الطبيعي في الاقتصاد الإقليمي والدولي.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة