
صياد (قانوص) يطلق طيرًا صغيرًا كطعم لأحد الطيور الجارحة في الجزيرة السورية – 14 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

صياد (قانوص) يطلق طيرًا صغيرًا كطعم لأحد الطيور الجارحة في الجزيرة السورية – 14 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)
تتواصل رحلات صيد الطيور الجارحة في براري محافظة الحسكة مع استمرار موسم الهجرة الخريفية، إذ يتنقل “القوانيص” بين سفوح جبل عبد العزيز والمناطق الواقعة جنوبه والبراري المحاذية للحدود العراقية، بحثًا عن الطيور الحرة التي قد تصل قيمة بعضها إلى عشرات آلاف الدولارات.
ويُطلق اسم “القوانيص” على الصيادين الذين يلاحقون الطيور الجارحة وينصبون لها الشراك والطعم كي يصطادوها ويبيعوها.
ويجمع الصيد في الجزيرة السورية بين هواية متوارثة وفرصة لتحقيق مكاسب مالية، في ظل تفاوت أسعار الطيور بحسب أنواعها ومواصفاتها، لكن الرحلات الجارية لا تضمن عائدًا للصيادين، الذين يتحملون نفقات النقل والوقود والمعدات، وقد يمضون أيامًا في البراري دون الحصول على طائر مرتفع القيمة.
ويبدأ الموسم عادة في أيلول، ويستمر حتى نهاية كانون الأول أو كانون الثاني، بالتزامن مع هجرة الطيور من المناطق الشمالية نحو الجنوب. ويُعد هذا الموسم من الفترات التي يترقبها المهتمون بالصيد، سواء ممن يمارسونه بوصفه هواية متوارثة أو ممن يأملون في بيع الطيور التي يصطادونها بأسعار مرتفعة.
قال ثامر العبد الله، أحد “القوانيص” في محافظة الحسكة، إن موسم الصيد يرتبط بحركة الطيور المهاجرة، إذ يتوجه الصيادون إلى المناطق التي يُحتمل مرورها بها، ويتنقلون بين مواقع مختلفة وفق طبيعة الأرض وما يلاحظونه خلال الرحلات.
وأضاف أن الصيد يحتاج إلى الصبر والخبرة في تمييز أنواع الطيور ومراقبة حركتها، مشيرًا إلى أن “القانص” لا يستطيع ضمان نتيجة رحلته، حتى عندما يقصد منطقة اعتاد الصيادون العثور فيها على الطيور خلال مواسم سابقة.
وتتوزع رحلات الصيد على مناطق واسعة من ريف الحسكة، أبرزها سفوح جبل عبد العزيز والمناطق الواقعة جنوبه، إضافة إلى البراري القريبة من اليعربية، والمناطق المحاذية للحدود العراقية.
وقال جاسم الخلف، وهو من “قوانيص” الحسكة، إن اختيار موقع الصيد يرتبط بمعرفة الصياد بطبيعة المنطقة ومسارات الطيور، موضحًا أن بعض الرحلات تمتد أيامًا، ما يضطر المشاركين إلى المبيت في البراري وتجهيز ما يحتاجون إليه من طعام وماء ووقود ومعدات.
وأضاف أن الرحلة لا تقتصر على انتظار ظهور الطائر، بل تتطلب التنقل بين المواقع ومراقبة المكان باستمرار، وقد تنتهي من دون صيد أي طائر، وهو ما يجعل نتائج الموسم متفاوتة بين “القوانيص”، تبعًا لخبرتهم وظروف الرحلات.
وتختلف ظروف الصيد بين المناطق المفتوحة وسفوح الجبال والسهول، كما تؤثر حالة الطرق الترابية والمسافات التي يقطعها الصيادون في حجم النفقات اليومية. وتفرض طبيعة البراري بدورها تحديات إضافية، تتعلق ببعد المواقع عن التجمعات السكانية وصعوبة تأمين الاحتياجات خلال الرحلات الطويلة.
تتعدد أنواع الطيور الجارحة التي يبحث عنها “القوانيص” في الجزيرة السورية، ومن بينها الشاهين، والكوسي أو الكواسي، والجير الأبيض ذو الأجنحة السوداء، والفارسي، والسنجاري، والتركي، إضافة إلى الحماد السوري المعروف أيضًا بالشامي.
ولا تتساوى هذه الأنواع في قيمتها السوقية، إذ تختلف الأسعار بحسب النوع واللون والحجم وسلامة الريش وطول الجناحين، إلى جانب خصائص أخرى يقدّرها المهتمون بتربية الطيور واقتنائها.
وقال ثامر العبد الله، إن معرفة الفروق بين الطيور جزء أساسي من خبرة “القانص”، لأن قيمة الطائر لا تتحدد بمجرد اصطياده، بل ترتبط بمواصفاته ومدى ملاءمته لمتطلبات المشترين.
وتُستخدم بين المهتمين تسميات ترتبط بألوان الطيور، مثل الأبيض والأسود والأشقر والأشعل والأحمر والمرقّش، وتدخل هذه الصفات في تقدير قيمتها، إلى جانب النوع والحجم والحالة العامة للطائر.
ويبرز الجير الأبيض ذو الأجنحة السوداء ضمن الأنواع النادرة التي تحظى باهتمام خاص لدى المشترين، في حين تختلف أسعار بقية الأنواع بحسب مواصفاتها وتوافرها في السوق.
وبحسب تقديرات متداولة في أوساط المهتمين بالصيد والتجارة، تبدأ أسعار بعض الطيور من نحو عشرة آلاف دولار، وقد تصل إلى 30 ألفًا أو 50 ألف دولار في حالات معينة. ولا تمثل هذه الأرقام سعرًا ثابتًا لجميع الطيور، إذ تتغير القيمة من طائر إلى آخر وفق مواصفاته ومدى رغبة المشترين فيه.
إلى جانب الخبرة الميدانية، يعتمد “القوانيص” على مجموعة من المعدات التي تساعدهم خلال رحلات الصيد، من بينها الشباك والأقفاص والمناظير، إضافة إلى وسائل النقل والطيور المستخدمة طُعمًا، مثل الحمام والقطا وبعض الطيور الصغيرة.
وقال أحمد السالم، الذي يعمل في صناعة أدوات الصيد وبيعها، إن احتياجات “القوانيص” تختلف بحسب طبيعة الرحلة والمناطق التي يقصدونها، مشيرًا إلى أن تجهيزات الصيد تشمل أدوات أساسية يحتاج إليها الصياد في أثناء التنقل والإقامة في البراري.
وأضاف أن وسائل النقل أصبحت جزءًا مهمًا من تجهيزات الموسم، بسبب اتساع مناطق الصيد وبعد بعضها عن المدن والبلدات، إذ يستخدم “القوانيص” الدراجات النارية للوصول إلى المواقع التي يصعب بلوغها بوسائل النقل العادية.
وتتحول هذه التجهيزات إلى جزء من الكلفة التي يتحملها الصياد خلال الموسم، إلى جانب الوقود وصيانة المركبات والطعام والماء ومستلزمات الإقامة. وتزداد النفقات كلما طالت الرحلة أو اضطر “القانص” إلى الانتقال بين مواقع متباعدة.
وقال جاسم الخلف، إن تمويل الرحلات قد يجري بصورة فردية أو من خلال شراكة بين القانص وشخص يتولى تغطية جانب من النفقات، على أن يتفق الطرفان مسبقًا على كيفية تقاسم الطائر في حال نجاح الصيد.
وتختلف تفاصيل هذه الشراكات من مجموعة إلى أخرى، لكن الاتفاق على الحصص والنفقات يُعد عاملًا مهمًا لتجنب الخلافات، ولا سيما عندما تكون قيمة الطائر مرتفعة.
ولا تنتهي التحديات عند تأمين المعدات، إذ يواجه الصيادون ظروفًا طبيعية في البراري، تشمل وعورة بعض الطرق والابتعاد عن الخدمات، فضلًا عن وجود حيوانات برية وأفاعٍ في بعض المناطق. وتفرض هذه الظروف استعدادًا إضافيًا، خصوصًا على من يبيتون خارج التجمعات السكانية لأكثر من يوم.
تدفع الأسعار المرتفعة بعض المهتمين إلى النظر إلى صيد الطيور الجارحة بوصفه فرصة لتحقيق دخل، لكن القيمة السوقية للطائر لا تعني بالضرورة أن الرحلة تحقق ربحًا. فالصياد يتحمل نفقات التجهيز والتنقل، وقد يحتاج إلى تكرار الرحلات قبل العثور على طائر يمكن بيعه بسعر مناسب.
وقال الخبير الاقتصادي محمد عبد الله، إن تقييم الجدوى المالية لهذا النشاط يتطلب احتساب النفقات المباشرة، مثل الوقود والطعام والمعدات والصيانة، إلى جانب قيمة الوقت الذي يقضيه الصياد في الرحلات، ومراعاة احتمال العودة من دون صيد.
وأضاف أن سعر البيع وحده لا يكفي لتحديد الربح، لأن المبلغ الذي يحصل عليه الصياد قد يتوزع بين أكثر من طرف في حال وجود شراكة تمويلية، كما قد يتأثر السعر بوجود وسيط بين الصياد والمشتري النهائي.
وأشار عبد الله إلى أن تفاوت الأسعار بين الطيور يجعل العائد غير مضمون، إذ قد يحقق بيع طائر مرتفع القيمة مردودًا كبيرًا، بينما لا تغطي عائدات طائر آخر جميع النفقات التي تكبدها الصياد خلال رحلاته.
وتجري تجارة الطيور عبر قنوات متعددة، من بينها الوسطاء والتجار المحليون، إضافة إلى التواصل المباشر بين البائعين والمشترين عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما تُعرض بعض الطيور في أسواق خارج سوريا، بينها أسواق في دول عربية مثل السعودية والإمارات.
وأتاحت وسائل التواصل للصيادين والتجار عرض الطيور ومواصفاتها على نطاق أوسع، وأصبح بالإمكان التواصل مع مشترين خارج المنطقة من دون الاعتماد الكامل على الأسواق المحلية. لكن البيع عبر الوسيط قد يترك أثرًا في الحصة التي يحصل عليها “القانص”، بحسب الاتفاق بين الطرفين وسعر الطائر النهائي.
ويرى الخبير الاقتصادي أن حساب المكاسب ينبغي أن يأخذ في الحسبان احتمالات تفاوت الأسعار وتعدد أطراف البيع، بدلًا من الاعتماد على الأسعار المرتفعة المتداولة لبعض الأنواع النادرة بوصفها مؤشرًا على ربح مضمون لجميع الصيادين.
لا يقتصر صيد الطيور الجارحة في الجزيرة السورية على الجانب التجاري، إذ يرتبط لدى عدد من “القوانيص” بخبرة اكتسبوها من أفراد عائلاتهم، وبمعرفة متوارثة بمناطق الصيد ومسارات الطيور وخصائصها.
وقال ثامر العبد الله، إن الخبرة تتراكم عبر مواسم متعاقبة، من خلال معرفة المواقع ومراقبة حركة الطيور والتعامل مع اختلاف ظروف الرحلات. ويجعل هذا الجانب الصيد نشاطًا يستمر حضوره بين المهتمين حتى عندما لا تكون نتائجه المالية مضمونة.
ومع استمرار الموسم الحالي، تتداخل هذه الهواية مع حسابات الكلفة والعائد، في ظل أسعار مرتفعة لبعض الطيور واتساع المسافات التي يقطعها القوانيص بحثًا عنها. وبين رحلة تنتهي بصيد طائر مرتفع القيمة وأخرى لا تحقق نتيجة، يبقى نجاح الموسم مرتبطًا بعوامل عدة، من بينها حركة الطيور ومواصفاتها والقدرة على تغطية النفقات.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى