أزمة السيادة في سوريا.. أين الدولة؟

tag icon ع ع ع

خالد المطلق

أين الدولة حين نحتاج إليها؟ سؤال يتردد على ألسنة السوريين في كل مكان، فالسيادة ليست شعارات تُرفع في المناسبات، ولا هي اعتراف دولي يُعلق على الجدار، بل هي قدرة السلطة الفعلية على حماية الأرض والقرار والمواطن، والسيطرة على السلاح والموارد تحت سلطة القانون، وإذا قسنا سوريا اليوم بهذا المعيار جاءت النتيجة مرعبة، فالحدود والسلاح والسماء والعملة حقوق قانونية تأكلها الممارسات اليومية، وهذا لا يعني أن الدولة فقدت سيادتها، لكنه يضع السلطات أمام استحقاقات لا تحتمل التهرب.

أول هذه الأسئلة يتعلق بالحدود، فما شعور أهلنا في القرى الحدودية حين يرون الآليات الإسرائيلية تسير أمامهم وبين قراهم، بينما يقتصر رد فعل السلطة على الإدانة بعد صمت طويل؟ من هنا يعيش أهل تلك القرى في قلق على أمنهم وحرية حركتهم، فالبيانات لا ترسم خطوط سيطرة ولا تردع أحدًا، ولحماية حقيقية لأهلنا هناك لا بد من توثيق الانتهاكات واللجوء إلى المؤسسات الدولية وبناء مؤسسة أمنية تسد الفراغ الأمني الذي تستغله قوات الاحتلال، وبالمقابل لا يعني ضبط الحدود تحويل المنطقة إلى ساحات مغلقة ولا معاملة أهلها كمشتبه بهم، فحقوقهم يجب أن تكون محفوظة، وحفظ أمن تلك المناطق يجب أن يكون ضمن القانون.

والسؤال الثاني يتعلق بالأجواء المخترقة من سلاح الجو الإسرائيلي ليلًا نهارًا، وأخيرًا الأردني، وكأن السماء السورية مباحة بلا رادع ولا إجراء يثقل تكلفة اختراقها، وعلى الرغم من اختلال ميزان القوى فإن العجز عن منع الضربات أو رفع ثمنها يفرغ السيادة الجوية من محتواها، والمطلوب وضع استراتيجية دفاعية بعيدة المدى تعيد بناء الجيش السوري على أسس مهنية وطنية، ناهيك بالعمل على تطوير منظومات الاستطلاع الجوي والإنذار المبكر يرافقه تحرك دبلوماسي وقانوني مستمر لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية والأردنية.

أما فيما يتعلق بالسلاح، وهو الامتحان الأصعب لأنه أساس استقرار حكم الدولة، فلا يكفي القول إن قرار القوة أصبح واحدًا، ولا يمكن أن تكون السيادة واحدة بعد سنوات من الحرب وتعدد الفصائل التي تتنازعها الولاءات للدول، ولا يمكن للمواطن أن يطمئن في أي دولة لا تملك وحدها قرار السلاح، والحل تشكيل قيادة وطنية واحدة لجميع التشكيلات وجيش مهني يقوده المهنيون المؤهلون، وأيضًا لا بد من تشكيل أجهزة أمنية خاضعة للقانون وخطة معلنة لجمع السلاح غير المرخص، أما تطبيق القانون على فئة دون الأخرى واستبدال الولاء الفصائلي بالولاء لفئة دينية فلن يصنع احتكارًا حقيقيًا للسلاح، بل سيؤجل الانفجار ويهدم ما تبقى من ثقة المواطنين بالسلطة.

وتبقى العملة الوجه الاقتصادي للسيادة، وإذا سألنا أي صاحب محل أو سائق أجرة بأي عملة يحسب تكلفته ويحفظ مدخراته فسنعرف الجواب قبل أن يكمل، لأن انتشار الدولار في التسعير والادخار وبعض المعاملات يُعد خيار ثقة قبل أن يكون خيارًا اقتصاديًا، والمواطن الذي يهرب من ليرته يصوّت يوميًا بعدم الثقة، والسؤال هو: هل تستطيع السياسات المالية والنقدية استعادة الثقة بالليرة ووضع قواعد واضحة للتحصيل والتسعير ومكافحة التضخم ورفع الأجور؟ فالليرة الجديدة خطوة مهمة لكنها ستبقى إجراءً شكليًا ما لم تسنده سياسات شفافة تقنع الناس بالتخلي عن الدولار.

من هذه الملفات المعقدة يمكن أن نستنتج أن ضعف الدفاع يغري بالانتهاك، وفوضى السلاح تشل القرار الداخلي، والاضطراب الاقتصادي يخنق قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها، وإذا قلنا إن سوريا “بلا سيادة” فهذا يعبر عن غضب مشروع، لكن هذا الغضب يخلط بين فقدان السيادة قانونيًا وتراجع القدرة على ممارستها، والأدق من ذلك أن البلاد تعيش أزمة سيادة حقيقية، وهذه الأزمة لا تعالج بخطاب يكتفي بالتنديد ولا بتبرير العجز بالظروف، بل بخطة معلنة وأهداف قابلة للقياس، ولا تستعاد هذه المقومات بقرار منفرد ولا بخطب رنانة وترندات فيسبوكية فارغة، بل تحتاج إلى ترتيب الأولويات وإدارة صارمة للموارد، فإعادة بناء الدفاع الجوي مكلفة وتستغرق سنوات، لكن ذلك لا يعفي الحكومة من نشر تصور معلن وطلب دعم تقني مشروع وتعزيز الرصد والحماية المدنية، كما أن حماية الحدود تتطلب تفاوضًا متواصلًا مع الأطراف الدولية، كما يقتضي توحيد السلاح ضمانات عادلة للمناطق والمقاتلين كي لا يتحول الدمج إلى إقصاء أو انتقام، فالسيادة قرار مستقل يعلم موازين القوة بدقة وهذا لا يعني الادعاء بالاستغناء عن العالم.

خلاصة القول، إن سياسة الغموض وترحيل الأزمات والالتفاف عليها التي تمارسها السلطة الانتقالية لن تُجدي نفعًا، وعليها الكف عن هذه الأساليب ومصارحة السوريين بحدود قدراتها، وأن تعلن أولوياتها وجدولها الزمني وأن تقبل المساءلة العلنية. ولن ينجح ذلك دون مؤسسات شفافة وقضاء مستقل ورقابة على الإنفاق، ودون خبراء ومجتمع يشاركون في تقييم الأداء، فالمساءلة لا تنتقص من هيبة الدولة بل تمنحها شرعية متماسكة، والسيادة ليست دعوة إلى حرب غير محسوبة ولا امتيازًا للحكومة، بل مسؤولية لحماية الناس وصون أرواحهم ومواردهم وإخضاع الجميع للقانون، ولن يشعر السوريون بأن دولتهم تستعيد سيادتها بالشعارات الرنانة بل حين تتراجع الانتهاكات ويصبح السلاح تحت قيادة مهنية شرعية وتستعيد الليرة ثقة الناس، وتبدأ الاستعادة بالاعتراف بالفجوة بين الشعب والسلطة ثم ببناء مؤسسات تردمها، أما إنكار الواقع أو التسليم بالعجز فلن يحميا الأرض ولا السماء ولا الاقتصاد، فالسيادة لا تُمنح هبة بل تُنتزع بالعمل وتُحمى بالمحاسبة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة