ع ع ع

في بلدة ريما التابعة لمنطقة يبرود بريف دمشق الغربي، حط جمال زينية (أبو مالك التلي) مع نحو عشرة مقاتلين من “جبهة النصرة” رحالهم، في العام 2012.

ليبدأ من البلدة القريبة من الطريق الدولي حلب- دمشق، تأسيس فرع “النصرة” في منطقة القلمون الغربي، باستقدام عدد من مقاتليها “المهاجرين” إضافة إلى بعض السوريين الذين تدربوا ضمن معسكراتها.

خرج التلي في العام 2011 من سجن صيدنايا (قسم الإسلاميين)، بعد قضائه حوالي ثمان سنوات فيه وفي سجون أخرى، بتهمة انتمائه إلى السلفية، ونشره للفكر “الجهادي” عبر أشرطة “سي دي”، كما كان أحد المشاركين في استعصاء السجن عام 2008.

الأقوى والمتحكم في القلمون الغربي

وسع التلي خلايا تنظيمه في القلمون الغربي رويدًا رويدًا، وبدأ بإنشاء معسكرات تدريب ضم فيها عددًا من الشبان السوريين، وبشكل خاص شبان من ريف دمشق وحمص.

ولم يظهر التلي أي قوة لـ “النصرة” أو سيطرة إلا بعد تأهيل عناصر وتجهيز مقرات، إذ كان قد خرج قبل أشهر من معركة التل في العام 2012، وانسحب إلى جانب مقاتلي “الجيش الحر” من المدينة، الذين استقر معظمهم في منطقة القلمون الغربي.

ليصبح بعد ذلك المحور الذي يتحكم بسير الأمور العسكرية إلى حد كبير بعد سقوط يبرود في يد النظام السوري في آذار 2014، والرجل الذي يتحكم بصفقات التبادل، كصفقة راهبات معلولا عام 2014، وأسرى الجيش اللبناني في كانون الأول 2015، والرجل الأشهر في جرود القلمون على وسائل الإعلام السورية واللبنانية.

معارك خاسرة واثنتان رابحتان للتلي

في ريما ثم “مشروع فلل المحبة” ببلدة رنكوس بالقلمون الغربي، انتشرت مقرات “النصرة”، ومع بداية العام 2013، خاض التلي أولى المعارك في المنطقة، بعد مشاركته في معارك الفاخوخ بمنطقة حلبون.

أعطت تلك المعارك لـ “النصرة” قبولًا لدى الأهالي، بسبب ثبات مقاتليها على جبهات القتال، رغم عدم تجهيزها بالمتاريس والأنفاق، ما جعلها هدفًا لقذائف مدفعية ألوية الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة في جيش النظام، المنتشرة في مناطق الريف الغربي والسلاسل الجبلية لوادي بردى والزبداني وسرغايا.

فقد التلي أفضل مقاتليه، وانسحبت الفصائل من المنطقة، التي اعتبرها كثيرون لا طائل لها وأنها استنزاف للقوى المقاتلة فيها، واتهم التلي أنه كان يسعى باستمرار سيطرته على المنطقة ليبقي الطريق مفتوحًا إلى مدينة التل، إذ كان يعتبرها بوابة السيطرة على دمشق، حسب تصريحات متكررة له أمام أنصاره، وخلال اجتماعات مع أعضاء الفصائل الأخرى.

وفي آب 2013، تراجع التلي عن المشاركة مع “جيش الإسلام” و”مغاوير القصير” وفصائل أخرى الهجوم على مستودعات دنحا بالقرب من قرية الصرخة.

بعد ساعات انسحبت الفصائل بعد اغتنامها لأول مرة في سوريا صواريخ مضادة للدروع، وحاولت “النصرة” بقيادة التلي السيطرة عليها واستمرت معركتها نحو يومين استطاعت الحصول على أجزاء منها، لكن لطبيعة الأرض ولعدم وجود أسلحة مضادة للصواريخ معها، خسرت “النصرة” مزيدًا من مقاتليها وخسر التلي جولة أخرى، وأصيب في المعركة.

راهبات معلولا

جولة ثالثة للتلي بدأها في أيلول 2013 سيطرت خلالها “النصرة” مع فصائل أخرى على مدينة معلولا بريف دمشق، للمرة الأولى بعد السيطرة على حاجزها، لكن الفصائل انسحبت لتدخلها مرة أخرى في كانون الأول 2013 لتخفيف الضغط عن معارك النبك، وسيطرت “النصرة” على البلدة ونقلت راهبات المدينة إلى مكان آخر ليبدأ مسلسل المفاوضات، وهي أول المعارك التي استطاع جمال الخروج منها بنصر.

بدأ النظام بإسناد من الميليشيات العراقية و”حزب الله” اللبناني منذ تشرين الثاني 2013، بقضم مدن وبلدات القلمون الواحدة تلو الأخرى، بعد معارك مهين بريف حمص الشرقي، التي نجحت فصائل “الجيش الحر” و”النصرة” في السيطرة عليها، ليسجل التلي ثاني انتصار له والأخير في المعارك المفصلية.

بقي التلي محافظًا على نقاط سيطرته في ريما، التي تعد خط دفاع رئيسي عن مدينة يبرود حتى تسليم راهبات معلولا في 10 آذار 2014، بصفقة خرجت خلالها 152 معتقلة من سجون النظام.

لكن خطوط الجبهات انهارت بعد التبادل، وأعلن النظام سيطرته على المدينة في 16 آذار 2014، بعد انسحاب فصائل من “الجيش الحر” للمدينة وتركها نقاط استراتيجية، أصبحت المدينة بعدها لقمة سائغة.

وبعد حوالي 40 يومًا، بسط النظام سيطرته على كامل القرى والبلدات في المنطقة، وأخرج الفصائل و”النصرة”، لتضاف إلى خسارة التلي هزيمة أخرى.

علمت عنب بلدي من مصادر مقربة من “النصرة” أن أبو مالك لم ينصع لأوامر الجولاني بالانسحاب من منطقة الجرود الفاصلة بين قرى وبلدات القلمون الغربي والحدود اللبنانية- السورية.

ووسع التلي نفوذه في المنطقة رغم مغادرة عدد من “المهاجرين” الجرود وفقًا لتعليمات الجولاني.

من أخوة المنهج إلى خوارج

لم يقبل التلي قرارًا لفصائل “الجيش الحر” بالقضاء على عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، واعتبر أن من يقترب من العناصر كأنه اعتدى على أحد عناصر “النصرة”.

وبقيت علاقة التنظيم و”النصرة” على ما هي بعد الانتقال إلى الجرود، رغم الاشتباكات التي شهدتها الأراضي السورية بين الطرفين في باقي المناطق.

وعندما اشتبك عناصر التنظيم مع حواجز الجيش اللبناني في آب 2014، كان للتلي حضور صدرته وسائل الإعلام بعد دخوله في المعركة وأسره لعناصر من قوات الجيش والدرك.

بدء جولة مفاوضات جديدة وهو ما ألفه التلي وأحبه مع طول نفس وضغط على الجهات اللبنانية، عبر الإفراج عن بعض الأسرى كـ “حسن نية” وإعدام اثنين رميًا بالرصاص، هما محمد حمية، وعلي البزال، حتى تمت عملية التبادل مقابل خروج بعض الأسرى.

وقال التلي عن المعركة إن “المجاهدين في عرسال ليس لهم أي دور بالمعركة، لكنهم جروا إليها بسبب تصرف خاطئ من إحدى المجموعات، لكن بعد الخطأ قام الجيش اللبناني بكارثة إنسانية وهو السبب الذي دعا النصرة للدخول إلى المعركة”، حسب ما نشرته قناة “الجديد” عبر تسريب في آب 2017.

وبعد وصول ثلاثة قياديين من تنظيم “الدولة” إلى المنطقة وكان لا يتجاوز عدد عناصرهم الـ 40، كان وصولهم بداية لانقلاب الأمور.

ودعى القادة الثلاث أبو مالك التلي لمناظرة مع شرعييه، وبعد لقائه معهم واستماعه لمطالبهم بالببيعة التي رفضها، ورد تهديدات التنظيم بتهديدات مماثلة.

لكن الأمور تطورت لاحقًا إلى اشتباكات بين الطرفين، وكان التلي المحور الذي يقوم عليه قتال التنظيم في الجرود وإيقاف تمدده، ووصف التلي التنظيم بأنهم “خوارج”، حسب مقاطع صوتية بثت له.

التهجير بعد هجومين

خرج التلي مع عناصر النصرة ومقاتلين آخرين من المعارضة ومدنيين من بلدة عرسال اللبنانية  في 2 آب 2017، بعد معركة حاول فيها “حزب الله”، مدعومًا بجيش النظام والدفاع الوطني مع قصف مدفعي من الجيش اللبناني، الخروج منتصرًا بعد معرفته بضعف الإمكانات في المنطقة الجبلية المحاصرة .

لكنه أجبر “الحزب” بعد قتال عنيف جرى بين “جبهة فتح الشام” (النصرة سابقًا) ومقاتلين من “الجيش الحر” على التفاوض.

وفي نيسان 2015 كان الهجوم الأول لـ “حزب الله” وجيش النظام” على الجرود، سيطر فيها على جرود بلدات المعرة والجبة وعسال الورد وقسم من جرود فليطة.

في إدلب.. من قائد جيش إلى مربٍ ثم إلى السجن

عين التلي بعد وصوله إلى إدلب قائدًا لـ “جيش الشام” ضمن “فتح الشام” الذي يضم عناصر مهجرين من دمشق وريفها، ثم صدر قرار بتعيينه رئيسًا لقاطع الحدود، ثم نقل إلى قسم المتابعة ضمن “هيئة تحرير الشام” (فتح الشام)، وعين لاحقًا في منصب بقسم التعليم في “حكومة الإنقاذ”.

وفي تشرين الأول 2017 اغتال مجهولون نجله في مدينة حزانو بريف إدلب الشمالي.

دعا التلي في تشرين الأول 2018 إلى فتح الجبهات ضد النظام السوري في إدلب، “نصرةً” لمخيم الركبان المحاصر على الحدود السورية- الأردنية، وانتقد عملية سحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة في إدلب، بموجب الاتفاق الموقع بين روسيا وتركيا في “سوتشي”.

وقال إن “هذا الكلام موجه لكل قائد فصيل أو عسكري محور، يجب عليكم أن تنصروا إخوانكم بدك المعاقل (…) لا تقولوا إننا لا نتعامل بردات الفعل، فأصل النصرة في ديننا مبنية على ردة الفعل بحسب القدرة والله يعلم أحوالكم”.

وبعد إعلانه في نيسان مفارقته لـ “تحرير الشام”، عاد التلي إلى صفوفها بعد لقائه مع قائدها أبو محمد الجولاني.

وانتقد التلي بيان “حكومة الإنقاذ” بإيقاف صلوات الجماعة وإغلاق المساجد في إدلب، منعًا لانتشار فيروس كورونا.

وقال التلي إن “الإمة الإسلامية ابتليت اليوم بتعطيل الجمعة والجماعات في المساجد، دون ضبط الأسواق بحجة عدم انشتار الوباء والمحافظة على حياة الناس”.

واعتبر التلي ذلك “من الحرمان وعدم تعظيم شعائر الله، خاصة عندما ترى الأسواق مكتظة بالناس وكثرت فيها المنكرات”.

وفي 12 حزيران الحالي، انضم التلي إلى غرفة عمليات “فاثبتوا” وتضم خمسة فصائل هي “تنسيقية الجهاد”، و”لواء المقاتلين الأنصار”، و”جماعة أنصار الدين”، و”جماعة أنصار الإسلام”، وتنظيم “حراس الدين”.

واعتقلت، الاثنين 22 من حزيران، “تحرير الشام” أبو مالك التلي، واتهمته “بمحاولة إضعاف الصف وتمزيق الممزق”.

وقالت في بيانها إن “الهيئة” فوجئت بتشكيل “التلي” فصيلًا جديدًا “لن يختلف عن سابقيه في سعيه لإضعاف الصف وتمزيق الممزق، على الرغم من تحذيره من خطورة الخطوة، وتأكيده سابقًا أنه لن يفعل ذلك”، وفق البيان.

English version of the article

مقالات متعلقة