ع ع ع

صالح ملص | يامن مغربي | لؤي رحيباني

توثق عدة مجموعات حقوقية سورية انتهاكات النظام السوري ضد حقوق الإنسان، وخروقات القانون الإنساني الدولي في سوريا، وفي كانون الأول عام 2016، شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة آلية مُكلفة بتحليل وجمع أدلة على الجرائم الخطيرة المرتكبة في سوريا، تكون مناسبة للاستخدام في أي إجراءات قضائية في المستقبل أمام أي محكمة قد تكون لها ولاية النظر في تلك الجرائم.

لم تساعد المعلومات والبيانات المتوفرة على إحراز تقدم في الجهود الدولية نحو تحقيق العدالة على الجرائم الدولية الماضية والحالية داخل سوريا، لأنها ليست دولة طرفًا في “المحكمة الجنائية الدولية“.

ولذلك، في حال لم تقبل حكومة النظام السوري ولاية المحكمة للنظر في الجرائم التي ارتكبتها خلال السنوات التسع الماضية طوعًا، ستضطر المدعية العامة في هذه المحكمة إلى إحالة الوضع في سوريا إليها من قبل مجلس الأمن، حتى تفتح تحقيقًا هناك.

وفي 2014، استخدمت روسيا والصين حق “الفيتو” اعتراضًا على قرار لمجلس الأمن كان من شأنه منح المدعية هذه الولاية، الأمر الذي حال دون القيام بأي خطوات على طريق ضمان المحاسبة الحقيقية لحكومة النظام، في سوريا أو خارجها، ما أسهم في وقوع مزيد من الانتهاكات.

وفي ظل تعطل مسار العدالة الدولي لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، سعت المراكز الحقوقية السورية والأوروبية نحو التحقيق في تلك الانتهاكات، والملاحقة القضائية لمرتكبيها، لإحراز قدر محدود من العدالة.

ومنذ عام 2015، كانت القارة الأوروبية ميدان النزاعات الحقوقية التي جمعت ضحايا التعذيب في سوريا مع جلاديهم تحت أقبية المحاكم، وخلال العام الحالي، تطور ملف المحاكمات لمختلف الأطراف المتنازعة هناك، مع بداية أول محاكمة في العالم حول القتل تحت التعذيب، والاغتصاب داخل مراكز الاعتقال الخاضعة لسيطرة حكومة النظام.

كما شهد العام الحالي تقديم هولندا مذكرة لحكومة النظام تدعوها من خلالها إلى أداء مسؤولياتها الدولية بسبب التعذيب في مراكز الاعتقال التابعة للنظام، واستخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.

تناقش عنب بلدي في هذا الملف مع حقوقيين سوريين أثر هذه المحاكمات والتحركات القانونية على اللاجئين السوريين في أوروبا من جهة، وعلى علاقة بلدان الاتحاد الأوروبي مع حكومة النظام السوري سياسيًا من جهة أخرى.

التحركات القانونية الأوروبية ضد حكومة النظام

خطوات في مواجهة شبح ترحيل اللاجئين

تعتبر الملاحقات القضائية والتحقيقات التي تجريها الوحدات المتخصصة بمراقبة “جرائم الحرب” في المنظمات الحقوقية الأوروبية فرصة لتوفير الأطر القانونية المتكاملة لتنظيم سياسات اللجوء داخل القارة الأوروبية، لأنها تسهم في تسليط الضوء قضائيًا وإعلاميًا على الانتهاكات في سوريا، وتضع المعنيين في أوروبا بوضع وتنفيذ سياسيات اللجوء في مشهد الأحداث داخل سوريا، وذلك من خلال القرائن القانونية.

جلسة محكمة ألمانية في كوبلنز لمقاضاة الضابطين السوريين أنور رسلان وإياد الغريب بارتكاب جريمة ضد الإنسانية- 23 من نيسان 2020 (AFP)

وتعتبر محاكمة “كوبلنز” في ألمانيا، التي تستمر جلساتها منذ نيسان الماضي، سندًا قضائيًا للاجئين السوريين هناك ضد أي قرار يقضي بإعادتهم إلى سوريا، وفق ما قاله الصحفي والحقوقي السوري منصور العمري في حديثه إلى عنب بلدي.

وبرر العمري ذلك بتأكيد محاكمة “كوبلنز” على استخدام النظام التعذيب ضد السوريين ممن يعتبرهم معارضين لحكمه، بالإضافة إلى أنها توضح منهجية الاعتقالات العشوائية للمدنيين داخل سوريا، بما يشكل خطرًا على جميع السوريين.

ويعتمد صناع ومنفذي سياسات اللجوء في أوروبا على عدة مصادر لتقييم الوضع في سوريا، من بينها تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وتقارير الاستخبارات، وفق ما ذكره العمري، ومحاكمة “كوبلنز” لن تكون قراراتها النهائية حاسمة لحماية اللاجئين من خطر ترحيلهم من أوروبا، ولكنها ستشكل أيضًا أحد المصادر لواضعي قوانين وسياسات اللجوء.

والجهود القانونية المستمرة في ألمانيا والسويد للتحقق من الأفراد الضالعين في “جرائم حرب” داخل سوريا وملاحقتهم قضائيًا، تأتي بناء على مقابلات مع السلطات المعنية في هذين البلدين، ما يعني أن تجارب اللاجئين وطالبي اللجوء في التعامل مع السلطات والسعي إلى تحقيق العدالة أمر مهم في تبني بلدان أوروبية لمثل هذا النوع من القضايا ومتابعتها.

وبسبب أعداد طالبي اللجوء واللاجئين السوريين الكبيرة في أوروبا، فإن الضحايا والشهود الذين لم يكونوا متوفرين للمحاكم من قبل، فضلًا عن بعض الأدلة المادية بل وحتى بعض المشتبه بهم، قد أصبحوا في متناول يد السلطات الألمانية والسويدية، وفقًا لتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الصادر عام 2017، بصفتهما أكثر الأماكن استقرارًا لطالبي اللجوء السوريين في أوروبا، وكانت ألمانيا والسويد أول دولتين يُحاكَم فيهما أفراد على جرائم دولية خطيرة في سوريا ويُدانون.

وفتحت المحاكمة في ألمانيا للضالعين بـ”جرائم حرب” ملف إعادة السلطات في عدة بلدان أوروبية النظر بملفات اللاجئين القادمين من سوريا، وفقًا لرأي مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، إذ إنه من الممكن أن تحدث هذه التجارب بالملاحقة القضائية تغييرًا في هذا الصدد، داعيًا اللاجئين للإبلاغ عن الضالعين.

وقال وزير الهجرة والاندماج الدنماركي، ماتياس تيسفاي، إنه يجب على دائرة الهجرة البدء في مراجعة تصاريح الإقامة الممنوحة في الدنمارك للاجئين السوريين القادمين من دمشق، بحسب ما ذكره موقع الهجرة والاندماج الدنماركي، في 28 من حزيران الماضي.

وتعمل وزارة الهجرة والاندماج في الدنمارك على تسريع قضايا الهجرة للسوريين، بحيث يتمكن المجلس في أقرب وقت ممكن من تقييم ما إذا كان يمكن سحب تصاريح الإقامة من اللاجئين السوريين القادمين من دمشق باعتبارها “منطقة آمنة”.

وأشار تيسفاي إلى أن حوالي 100 ألف لاجئ عادوا إلى سوريا من المناطق المحيطة، معتبرًا أن على السوريين في أوروبا العودة إذا سمحت الظروف بذلك.

وأضاف أن “المجلس الدنماركي المستقل للاجئين” كان قد تدخل بخمس حالات للاجئين سوريين من محافظة دمشق، لعدم أحقيتهم بالحصول على الحماية المؤقتة، “لأن الظروف قد تحسنت”، بحسب تعبيره.

كما دعا أيضًا ممثل “نقابة المحامين الأحرار في أوروبا” المحامي إبراهيم ملكي، اللاجئين السوريين إلى رفع الدعاوى القضائية ضد من يُشتبه بارتكابهم “جرائم حرب” داخل سوريا.

وقال المحامي ملكي، خلال حديثه إلى عنب بلدي، إنه ومجموعة من المحامين “يعملون على تقديم كثير من الضالعين في جرائم حرب للمحاكمة داخل أوروبا”.

وترحب خمس بلدان أوروبية بطلبات السوريين برفع الدعاوى أمام محاكمها حتى لو كان المجرم خارج حدودها، وفق المحامي إبراهيم ملكي، وهي ألمانيا، والسويد، وإسبانيا، وهولندا، والنرويج.

متظاهر يرتدي قناع وجه رئيس النظام السوري بشار الأسد جالسًا على الأرض داخل قفص الاتهام أمام “المحكمة الجنائية الدولية” في لاهاي غربي هولندا- 7 من حزيران 2011 (ROBIN UTRECHT / ANP / AFP)

المحاكمات عامل اطمئنان لطالبي اللجوء في أوروبا

تعتبر المحاكمات القائمة في أوروبا للنظر في الجرائم المرتكبة في سوريا عاملًا مهمًا لطمأنة الضحايا وعائلاتهم من بين اللاجئين، فمن خلال القضايا المعروضة على المحاكم الأوروبية، برزت أدلة على اختباء بعض المشتبه بهم في ارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان في سوريا ضمن طالبي اللجوء الحقيقيين.

ولكن الأغلبية العظمى لطالبي اللجوء الذين وصلوا إلى أوروبا من مناطق نزاع على امتداد السنوات القليلة الماضية، يبحثون بالطرق المشروعة عن حماية من الاضطهاد والجرائم والعنف السائد، وفقًا لتقرير منظمة العفو الدولية.

وأسهمت المحاكمات بالتدقيق في طالبي اللجوء لتحديد المشتبه بارتكابهم “جرائم حرب”، والتحقيق معهم هو إجراء مناسب وضروري لضمان تحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة في سوريا.

وتعتبر محاكمة المسؤولَين السابقَين في المخابرات السورية أنور رسلان وإياد الغريب مثالًا على إسهام الملاحقة القضائية في تحديد المشتبه بارتكابهم “جرائم حرب” من بين طالبي اللجوء الحقيقيين، فمن خلال جلسات المحاكمة، في أيار الماضي، سمعت المحكمة إفادة ثلاثة شهود وموظفين في المكتب الاتحادي الألماني للهجرة، واُستجوب الشهود بالتفصيل حول إجراءات اللجوء الخاصة برسلان والغريب.

ووفقًا لتقرير “العفو الدولية” فإن إمكانية وصول عدد صغير من مجرمي الحرب المحتملين إلى أوروبا لا يُبرر وصم مجموعات بأكملها من طالبي اللجوء أو إثارة ردود عنصرية أو مشحونة بالكراهية، فهؤلاء الأشخاص يسعون للهروب من انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان.

وستستمر جهود التوثيق، وتشمل حفظ الأدلة المحتملة في كونها مهمة، وقد تكون ذات أهمية قصوى لعمليات المساءلة المحلية والدولية في المستقبل، لكن في الوقت نفسه، ما زالت هناك حاجة إلى محفل قضائي يتولى الملاحقة القضائية الشاملة للجناة الذين ارتكبوا جرائم حرب في سوريا.

السوري إياد الغريب أمام محكمة ألمانية في كوبلنز لاتهامه بارتكاب جريمة ضد الإنسانية حين كان ضابطًا في جهاز أمن الدولة السوري في فرع الخطيب الأمني- 23 من نيسان 2020 (AFP)

المحاكمات ليست “وقاية مطلقة” من تطبيع العلاقات السياسية الأوروبية مع النظام السوري

اعتبر مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، المحاكمات التي تحدث في الاتحاد الأوروبي ضد مرتكبي “جرائم حرب”، في الوقت الحالي، حاجزًا يمنع أي محاولة سياسية من قبل أي سلطة أوروبية لتطبيع علاقاتها مع حكومة النظام السوري كما كانت عليه قبل عام 2011.

وقال العبد الله في حديثه مع عنب بلدي، إن هذه المحاكمات “ستعكر العلاقة بين البلدان الأوروبية والنظام السوري، في حال حاولت الحكومات الأوروبية التطبيع معه”.

لكن في حال وُجدت رغبة سياسية حقيقية لدى أي دولة أوروبية في المستقبل لإعادة علاقتها مع النظام في دمشق أو حتى على المستوى التجاري، فلا يعتبر ملف حقوق الإنسان الخاص بسوريا عائقًا للقيام بذلك، وفقًا لما ذكره العبد الله، إذ بإمكان التسويات السياسية الالتفاف على المحاسبة القضائية لتحقيق العدالة مع وضع الدولة التي ترغب في ذلك بموضع حرج أمام بعض البلدان الأوروبية الأخرى التي تتبنى ملف حقوق الإنسان.

والتصور بأن تقوم بعض البلدان الأوروبية بالتطبيع مع النظام السوري باختلاف مستوى هذا التطبيع على الرغم من وجود دعاوى قضائية أمام محاكمها الوطنية هو تصور ممكن في السياسة، وفق العبد الله، خصوصًا أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا لأصوات بعض الأحزاب اليمينية في بلدان أوروبية مثل النمسا والدنمارك.

وتتركز سياسة تلك الأحزاب في الغالب على المصلحة الاقتصادية من كل قضية، وبالتالي فهي ترى في قضية بقاء اللاجئين السوريين على أراضيها عبئًا ماليًا، وفي حال عودة اللاجئين من بلدان تلك الأحزاب، فهذه العودة تقتضي بالمقابل تطبيع العلاقات مع حكومة النظام.

وضمن زيارة استمرت سبعة أيام، روّج وفد ألماني في دمشق، عام 2018، لفكرة انتهاء مظاهر الحرب وعيش المواطنين بسلام، ونشر، حينها، كريستيان بليكس، رئيس الوفد والعضو في البرلماني الألماني، مجموعة صور التقطها خلال جولته في شوارع دمشق قال فيها إن الأحياء خالية من مظاهر “العسكرة”.

“المحاكمات هي جيدة لكنها لن تشكل حاجزًا حقوقيًا أو سياسيًا للأبد. قد تصعّب عملية التطبيع، وقد تضع بعض الأسئلة على أخلاقيات هذه العملية إن حصلت، لكنها ليست وقاية مطلقة من التطبيع”، قال العبد الله.

وتكمن جدوى ملف المحاكمات في إبراز رمزية الضحايا وتثبيت حقوقهم وسردية معاناتهم، وهو مهم جدًا بحسب العبد الله، لكنه لن يسقط أنظمة، فأثره الفعلي على العلاقات السياسية بين البلدان الأوروبية والنظام السوري محدودة.

قسم من الدعاوى المنظور بها أمام محاكم أوروبية هي دعاوى غيابية لن تكون فيها محاكمات، لأن ألمانيا وإسبانيا على سبيل المثال لا تسمح بالمحاكمات الغيابية، فأقصى حد متوقع من هذه الدعاوى هي مذكرات توقيف غيابية لأشخاص لا يسافرون إلى الاتحاد الأوروبي أساسًا لأنهم معاقبون، بحسب العبد الله، وحالة محاكمة “كوبلنز” هي حالة فريدة، لأن الأشخاص المتهمين كانوا موجودين داخل الأراضي الألمانية.

وفي حال بدأت صفقات التطبيع بين بلدان الاتحاد الأوروبي والنظام، فليس لدى الأخير مشكلة بتصفية الأشخاص المطلوبين للمحاكمة من قبل القضاء في أوروبا وإخراجهم من السلطة، بحسب العبد الله، طالما أن تلك الدعاوى القضائية مرفوعة ضد أشخاص معينين، مقابل عودة علاقاته السياسية والاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لن يكون ملف حقوق الإنسان العائق الأكبر لحدوث ذلك، لأن الدول تضع مصلحتها السياسية والأمنية فوق قضايا وأخلاقيات حقوق الإنسان.

الناشطة السورية وفاء مصطفى تجلس بين صور ضحايا النظام السوري وهي تحمل صورة والدها المعتقل، خلال احتجاج خارج محاكمة ضابطي مخابرات سوريين سابقين متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في كوبلنز غربي ألمانيا- 4 من حزيران (Thomas LOHNES / AFP)

وقف تدفق اللاجئين أم العودة إلى الملف السوري

ما المكتسبات التي تنتظرها أوروبا من المحاكمات

فتحت المحاكمات الأوروبية للمتهمين بارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان، سواء لعناصر من النظام السوري، أم لأشخاص انضموا سابقًا لتنظيمات مصنفة على لوائح الإرهاب، وعناصر من المعارضة السورية، الباب لأسئلة تتعلق بهدف دول أوروبية من هذه المحاكمات.

عودة سياسية إلى الملف السوري

تحضر الدول الكبرى في الملف السوري سياسيًا وعسكريًا، إذ توجد قوات روسية وأمريكية في سوريا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدول الإقليمية، مثل تركيا التي تملك نقاط مراقبة في مناطق متفرقة في الشمال السوري، وإيران المتهمة بإرسال ميليشيات عسكرية للقتال إلى جانب قوات النظام السوري.

كما تشترك هذه الدول في الملف السوري عبر المسارات السياسية “أستانة” و”سوتشي” و”جنيف”، وسط غياب للاتحاد الأوروبي، المنشغل بملف اللاجئين على أراضيه وخلافاته حول نصيب كل دولة من بلدان الاتحاد من أعداد طالبي اللجوء.

وسجل الاتحاد الأوروبي حضوره في الملف السوري من خلال العقوبات على النظام، وأفراد وكيانات على اتصال به عسكريًا واقتصاديًا.

وعلى عكس الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وتركيا، لا يملك الاتحاد الأوروبي أي قوات داخل الأراضي السورية، باستثناء فرنسا، التي تتركز إلى جانب القوات الأمريكية في مناطق شرق الفرات.

وتفتح المحاكمات الباب أمام الاتحاد الأوروبي للعودة إلى الملف السوري سياسيًا، خاصة مع إصراره على عدم الإسهام بعملية إعادة إعمار سوريا من دون عملية سياسية انتقالية وفق القرار رقم “2254”، الصادر عن مجلس الأمن في كانون الأول عام 2015، التي تنص الفقرة الرابعة منه على دعم عملية سياسية بقيادة سورية، تيسرها الأمم المتحدة، وتقيم، في غضون ستة أشهر، حكمًا ذا مصداقية يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية.

كما أكد وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، مطلع تشرين الأول الحالي، على تمسك بلاده برفض إعادة الإعمار في سوريا دون عملية سياسية “صادقة”، وهو ما أكدت عليه الدول السبع الكبرى (فرنسا وإيطاليا وألمانيا وأمريكا واليابان وبريطانيا وكندا) في نيسان 2019.

ويخضع الملف السوري لتفاهمات بين أربع دول (تركيا وروسيا وإيران وأمريكا)، وسط غياب أوروبي كامل، وهو ما يدفع أوروبا للتمسك بملف المحاكمات لإبقاء وجود داخل المشهد السوري.

وبحسب رأي أستاذ القانون الدولي في كلية “واشنطن” بالجامعة “الأمريكية” ضياء رويشدي، في حديثه إلى عنب بلدي، فإن المحاكمات القائمة في أوروبا هي محاولة لمنع شرعنة النظام السوري، أو النظر لحكومته على أنها “حكومة شرعية”.

وبالتالي ستضع أوروبا قضية العدالة في الفضاء السياسي لوقف أي محاولات لإعادة تسويق حكومة النظام السوري على أنها شرعية، وهذا أحد الأسباب السياسية، وفقًا لرويشدي، خاصة أن مكاتب الادعاء العام التي تتلقى البلاغات تحتاج إلى دعم مالي ولوجستي للمضي قدمًا في الملف، وهذا أمر لا يمكن فصله عن الشق السياسي، وبالتالي خطوات أوروبا في هذا المجال يعني أن هناك تغيرًا في الإرادة السياسية، وهناك زخم سياسي لدعم هذه القضايا.

لكن هذه الرغبة الأوروبية لا تعني أنه ليست هناك حكومات أوروبية جاهزة أيضًا لتطبيع علاقاتها مع النظام السوري، لذا نرى أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه النظام أكثر جدية من الموقف الأوروبي، فموقف الأخير ليس متماسكًا بالشكل الكافي، ويعود هذا الأمر لملف اللاجئين بحسب رأي رويشدي.

ويبدو أن أحد أسباب غياب الاتحاد الأوروبي عن الملف السوري سياسيًا، هو امتلاكه تنسيقًا اقتصاديًا كبيرًا بين أعضائه، على عكس التنسيق السياسي، إذ يتكون الاتحاد من عدة حكومات لدول مختلفة، تحاول مراعاة مصالحها في الملفات الخارجية، وهو ما يؤثر على حضور الاتحاد في موقف موحد.

ولا تسير ألمانيا وحدها في ملف حقوق الإنسان الخاص بسوريا، إذ أعلنت الحكومة الهولندية أنها تستعد لرفع شكوى قضائية ضد النظام السوري بسبب “مسؤوليته عن انتهاكات لحقوق الإنسان”، بينما رد النظام أن “هولندا آخر من يتحدث عن حقوق الإنسان”.

وجاء في بيان للحكومة الهولندية نشرته عبر موقعها الرسمي، في 18 من أيلول الماضي، أنها أبلغت النظام السوري في مذكرة دبلوماسية، نيتها معاقبته على مخالفات جماعية جسيمة لحقوق الإنسان ارتكبها ضد السوريين.

وقال وزير الخارجية الهولندي، ستيف بلوك، إن النظام لم يتردد في اتخاذ إجراءات صارمة ضد شعبه، باستخدام التعذيب والأسلحة الكيماوية، وقصف المستشفيات، مضيفًا أن هولندا تسعى لحصول ضحايا هذه الجرائم الخطيرة على العدالة، “من خلال محاسبة الجناة”.

وبالتالي تفتح الخطوات الهولندية والألمانية الباب أمام دول أخرى لتنفيذ خطوات مشابهة تضغط من خلالها على النظام السوري، وتؤمّن لها دورًا على الصعيد السياسي.

رئيسة جلسة المحكمة آن كيربر تجلس في قاعة محكمة كوبلنز العليا أثناء محاكمة ضابطي مخابرات سوريين سابقين متهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في أول محاكمة من نوعها تنبثق عن النزاع في سوريا- 4 من حزيران 2020 مدينة كوبلنز غربي ألمانيا (فرانس برس/ توماس لونيس)

رسائل أوروبية خلف المحاكمات.. واحدة إلى اللاجئين

لا تسعى أوروبا عبر المحاكمات إلى إرسال رسالة واحدة مفادها عدم القبول، حاليًا، بالتطبيع مع النظام السوري أو الرغبة بالعودة إلى مشهد الأحداث الخاصة بسوريا، إذ إن الاتحاد الأوروبي المنشغل بقضية اللاجئين على أراضيه يرسل رسائل أخرى إلى أطراف مختلفة أيضًا.

ومع ارتفاع نسبة الكراهية للاجئين من قبل الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تستغل هذا الملف للضغط على الحكومات الأوروبية، تسعى الأخيرة إلى إرسال رسالة لشعوبها واللاجئين على حد سواء.

وبحسب ضياء رويشدي، فإن الحكومات الأوروبية تطمئن شعوبها عبر المحاكمات بأنها تحاول تقصي حقيقة المهاجرين إليها، ومن ارتكب منهم جرائم وانتهاكات، ومحاسبتهم، وبالتالي فالحكومة تتخذ وسائل وتدابير لحماية مواطنيها، وهذا يعتبر مكسبًا فعليًا للحكومات الأوروبية.

والرسالة الثانية هي للمهاجرين، مفادها “إن ارتكبت جريمة ما في الماضي فستحاسَب عليها”، وفق ما قاله ضياء رويشدي.

وحصلت محاكمة ضابطي المخابرات السابقين لدى النظام السوري، أنور رسلان وإياد الغريب، على زخم إعلامي كبير وتغطية كبرى الصحف العالمية، وهو ما يدل، بحسب رويشدي، على اهتمام “بالعدالة”.

لكن هذا الاهتمام تقابله أيضًا مخاوف من تحول المحاكمات التي يعوّل عليها ضحايا سوريون لنيل العدالة، إلى ورقة مساومة سياسية.

ووفقًا لرأي مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، فإن المخاوف من هذا التحول تنبع من أن القرارات السياسية قادرة دائمًا على أن تسبق العدالة.

لكن الأحمد أكد على أن عملية تحوّل المحاكمات إلى ورقة ضغط، أو خضوعها لمساومات سياسية، ليس أمرًا سهلًا.

وهناك قضايا محاكمات فُتحت ملفاتها خلال السنوات الماضية، لكنها لم تكن مكتملة، بمعنى أن الضحايا والجناة لم يوجدوا على الأراضي الأوروبية، وفق ما أشار إليه الأحمد، وهناك جهود سابقة بخصوص شركات وشخصيات ارتبطت بالنظام السوري، أو قاتلت إلى جانب تنظيم “الدولة”، أو ارتكبت جرائم مختلفة في سوريا.

محاكمات لحفظ ماء الوجه

لم تقدم أوروبا شيئًا للملف السوري سياسيًا، بل فشلت في التوصل إلى أي مباحثات يمكن وضعها في السياق السياسي بهذا الموضوع، وفق ما يراه مدير “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، محمد العبد الله، إذ اقتصر دورها على استقبال اللاجئين السوريين، وتقديم الدعم والمناصرة لقضايا حقوقية تعاني منها سوريا، ولكن القضية السياسية التي خرج السوريون من أجلها كانت غائبة في الميادين الأوروبية السياسية.

لذلك تعاني بلدان الاتحاد الأوروبي من “عقدة الذنب”، بحسب تعبير العبد الله، تجاه الملف السوري، و”لحفظ ماء الوجه” تسمح الحكومات هناك للتقدم بمثل هذه الدعاوى أمام نظامها القضائي.

ويمكن أن تمنح هذه المحاكمات بعض النفوذ أو التأثير على الملف السوري كمكتسبات سياسية، في حال بدأ أي تفاوض بين بلدان الاتحاد الأوروبي والنظام السوري، إذ يمكن لملف المحاكمات أن يكون “بازارًا سياسيًا”، بحسب رأي العبد الله، لفرض عدة شروط، مثل إطلاق سراح بعض أو جميع المعقلين، وإيقاف الاعتقالات، وتوقيف أو تغيير بعض القيادات الأمنية المطلوبة للمحاكمة بسبب “جرائم حرب”، لكن لا يمكن لأوروبا أن تستثمر ملف حقوق الإنسان بأكثر من ذلك.

وغالبًا ما سيتحول ملف حقوق الإنسان في سوريا لدى أوروبا إلى ورقة لمساومات سياسية، بحسب العبد الله، لأنه حتى لو تم الحكم على أنور رسلان في محاكمة “كوبلنز”، فهذا الشخص ليس من ضمن قيادات النظام حاليًا، بل تمكن من الهرب خارج سوريا في صيف عام 2013، ولا حتى ضمن الأشخاص المطلوبين أمنيًا للنظام السوري.

مقالات متعلقة