fbpx

حاتم علي الذي طوّع التاريخ والدراما لإحداث التغيير

حاتم علي في مسلسل التغريبة الفلسطينية (Scoop Drama/يوتيوب)

حاتم علي في مسلسل التغريبة الفلسطينية (Scoop Drama/يوتيوب)

ع ع ع

“السينما هي أفضل وسيلة عرض على الإطلاق، لا أتوقف عن التفكير في السينما حتى وأنا أعمل على المسلسلات، لكن نظرًا لظروف الإنتاج في موطني، أصبح العمل في السينما مثل حلم صعب المنال، العمل في التلفزيون هو نوع من التعويض لا سيما حين يكون بمقدوري الاستعانة بالتكنولوجيا والتقنيات السينمائية، حيث سمح لي ذلك بممارسة ما أحب، بينما كانت تكتسب أعمالي طابعًا إخراجيًا فريدًا من نوعه، ربما كنت أنتظر اللحظة المناسبة التي أدخل فيها السينما من بابها الواسع عن جدارة”.

هكذا تحدث المخرج السوري حاتم علي عن صعوبة العمل السينمائي في سوريا خلال لقائه مع “مؤسسة الدوحة للأفلام” في عام 2013، وسعيه إلى تعويض ذلك بإخراج أعمال تلفزيونية بقالب سينمائي تناسبت مع الواقع اليومي للمشاهد العربي، وأضافت قيمة إلى الشاشة العربية الصغيرة.

جاءت وفاة المخرج حاتم علي بالتزامن مع استعداده لخوض تجربة سينمائية جديدة من خلال إعداد فيلمًا روائيًا عن قصة “الزير سالم” بعد 20 عامًا من توليه إخراج النسخة التلفزيونية من القصة، التي ألفها الكاتب السوري ممدوح عدوان، والتي شهدت شعبية واسعة حينها في بلدان الشرق الأوسط.

“نحتاج إلى تقاليد صناعة حقيقية”

يشترط حاتم علي لإنتاج عمل فني يحمل قيمة معرفية وثقافية إبداعية يقبلها الجمهور، هو وجود مساحات من الحرية لخلق بيئة اجتماعية واعية تهتم بالبحث عن الأفكار الجديدة بعيدًا عن أي دور سلبي يلعبه تدخل الرقابة الحكومية يحد من حرية انتقاء الأفكار المهمة عن طريق العمل الفني.

كما تحتاج تطوير الأعمال الفنية في الشرق الأوسط إلى توفير “صناديق مساندة” تتمثل في إتاحة سهولة وصول الشباب الناشئين إلى موارد الإنتاج، بالإضافة إلى تأمين منصات لعرض هذه الأعمال الفنية، “باختصار نحتاج إلى تقاليد الصناعة الحقيقية”.

ثنائية حاتم علي ووليد سيف.. الغوص في التاريخ

غاص السيناريست الفلسطيني وليد سيف في التاريخ الإسلامي وعمل بالشراكة مع المخرج حاتم علي عدة إنتاجات من الأعمال التاريخية التلفزيونية تعتبر مصدرًا مؤثرًا لكل مهتم في سياق التاريخ الإسلامي.

“العودة إلى التاريخ لا تعني الهروب من الواقع أو الظرف الراهن، أعتقد أن التاريخ بحد ذاته قضية شخصية، تحمل في طياتها الكثير من النقاش”، بحسب ما قاله حاتم علي في لقائه عام 2013.

وأضاف، “المشاكل الأخيرة التي تحصل في العالم سببها التغاضي عن النظر إلى الماضي بعين نقدية واستخلاص العبر منه. نحن لا ننتقد قضايا اليوم لأنها تكرار لقضايا أمس”.

“ثلاثية الأندلس”

وهي سلسلة تلفزيونية تاريخية سورية من إخراج حاتم علي وكتابة وتأليف وسيناريو وحوار وليد سيف، وتحكي قصة الأندلس منذ فتحها إلى سقوطها، بُنيت السلسلة على أساس أربعة أجزاء، أُنتجت ثلاثة منها ولم يُفرج عن الجزء الرابع إلى اليوم دون معرفة الأسباب.

وأول جزء هو مسلسل “صقر قريش” وأُنتج في عام 2002، ويحكي سيرة عبد الرحمن الداخل منذ ولادته مرورًا بسقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية على أنقاضها، وفراره إلى الأندلس ليحيي الدولة الأموية مرة أخرى هناك.

اكتفى المسلسل بلمحة بسيطة عن فتح الأندلس وعهد الولاة فيها بإشارة سريعة.

أما الجزء الثاني هو “ربيع قرطبة” واُنتج عام 2003، ويحكي سيرة الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر وطموحه من رجل فقير بين العامة إلى حاجب الخليفة وحاكم الأندلس فعليًا.

واكتفى المسلسل بلمحة عن عصر ما بعد صقر قريش في أولى حلقاته، كذلك أشار إلى عهد عبد الرحمن الناصر مختصرًا في خمس حلقات، وفي الحلقة الأخيرة أشار إلى عصر ما بعد الحاجب المنصور، وتم التصريح إلى قيام ممالك الطوائف.

الجزء الثالث هو “ملوك الطوائف” واُنتج عام 2005، ويروي قصة عصر ملوك الطوائف في الأندلس مرتكزًا في أحداثه على المعتمد بن عباد كشخصية رئيسية، كذلك يركز على قصة دولة المرابطين وسيرة يوسف بن تاشفين.

“التغريبة الفلسطينية”

ويعد واحد من أشهر ما أنتجته الدراما العربية عام 2004 في تسليط الضوء على القضية الفلسطينية، ونال المسلسل الذي أخرجه حاتم علي وكتبه وليد سيف، العديد من الجوائز في عدة دول عربية مختلفة، صُوّر بأكمله في سوريا، وبُث للمشاهد في نفس العام عبر 31 حلقة.

“صلاح الدين الأيوبي”

وهو مسلسل تاريخي من إخراج حاتم علي وتأليف وليد سيف، يتناول الأحداث السياسية في القرن السادس الهجري في منطقة بلاد الشام ومصر التي شهدت حينها “الحروب الصليبية”.

ويركز المسلسل على سيرة صلاح الدين الأيوبي ويبرز شجاعته وحسن خلقه، كما يحكي كيف استطاع توحيد المسلمين وانتصارهم في الحرب خلال معركة “حطين” الشهيرة واستعادة القدس.

“عمر”

هو مسلسل تاريخي تلفزيوني بتكلفة أكثر من 100 مليون ريال سعودي، ومن إخراج حاتم علي وتأليف وليد سيف، يحكي سيرة وحياة عمر بن الخطاب وما دار فيها من أحداث ومعارك وما اشتهر عنه من صفات منذ أن كان صغيرًا حتى توفي.

وقال حاتم علي عن هذا المسلسل إن “عمر” مسلسل “فريد من نوعه وحساس، ليس فقط من ناحية إنتاجه (يعتبر الانتاج الأضخم في العالم العربي) لكنه المحاولة الأولى للخوض في شخصيات كانت ممنوعة ومقدسة لدى المسلمين. إنه المسلسل الأول الذي اقترب من تقمّس هذه الشخصيات”.

“الملك فاروق”

شكل المخرج حاتم علي حالةً استثنائية في الدراما السورية والعربية، خاصةً مع إخراجه عددًا من الأعمال الدرامية التاريخية، تناولت شخصيات كان لها تأثيرها المباشر في التاريخ العربي.

وهذا ما دفع شركة “MBC” للاستعانة به لإخراج مسلسل “الملك فاروق”، الذي يتناول السيرة الذاتية لآخر ملوك مصر من سلالة محمد علي باشا، قبل قيام حركة الضباط الأحرار، فيما عرف بـ “ثورة يوليو” عام 1952.

ويعد هذا العمل من الأعمال التاريخية المحدودة التي أخرجها حاتم علي لكاتب غير وليد سيف، إذ ألفته الكاتبة المصرية لميس جابر.

اقرأ: مسلسل الملك فاروق.. السوريون حين قادوا عملًا مصريًا

المجتمع السوري إلى الشاشة

يجسد حاتم علي في عدد من أعماله المجتمع السوري بعلاقاته ومشاعره ثقافته وأخلاقياته، إيجابياته وسلبياته، محاولًا خدمة المجتمع ثقافيًا وفكريًا، وهو ما أكد عليه أكثر من مرة في مقابلاته.

“أحلامنا الكبيرة صارت صغيرة”

يعتبر حاتم علي صاحب المسلسل الاجتماعي السوري الشهير “أحلام كبيرة” الذي كتبته ريم حنا، ويطرح في 29 حلقة عددًا من الأفكار عن الحب والأحلام والطموح والعلاقات المبنية على المال والطمع، والعلاقات المعنوية داخل عائلة الحلبي التي تعتبر محور أحداث المسلسل.

ونعت الكاتبة السورية يم مشهدي، عبر صفحتها في “فيس بوك”، المخرج حاتم علي، من خلال أسماء الأعمال التي أخرجها في السنوات السابقة، و”أحلامنا الكبيره صارت صغيره يا حاتم”، وفق تعبيرها.

وأُنتج مسلسل “أحلام كبيرة” في عام 2004، خلال فترة تطورت فيها صناعة الأعمال الدرامية السورية، ازداد فيها كم الأعمال والاهتمام بالمسلسلات كنوع فني معروف وشعبي متداول ومهم للتسويق.

“الفصول الأربعة”

الفصول الأربعة هو مسلسل تلفزيوني سوري اجتماعي يتكون من جزئين، أُنتج الجزء الأول في عام 1999 والجزء الثاني في 2002، من إخراج حاتم علي وتأليف دلع الرحبي وريم حنا، تناول المسلسل الحياة اليومية لأسرة دمشقية والعلاقات الأسرية التي تربط بين أفرادها.

وأفراد العائلة ينتمون إلى جميع الطبقات الاجتماعية من حيث الثقافة والغناء والفقر، ما يعكس المسلسل من خلال شخصياته جميع مكونات المجتمع السوري.

“قلم حمرة”

تراجعت صناعة الدراما السورية ما بعد 2011، وهذا التراجع يعود لعدة أسباب أهمها ابتعاد الأفكار والنصوص عن تمثيل الواقع السوري المتردي، وضعف في الإنتاج.

ولكن في عام 2014، أخرج حاتم علي عملًا دراميًا يحمل الصفة الاجتماعية، حمل في أحداثه عدة قضايا ابتداء من الأزمة السورية وانعكاساتها على المواطنين، وحال الطبقة المثقفة والوسطى من ضياع وانهيار.

بالإضافة إلى التطرق لمواضيع أخرى، كالمثلية الجنسية، العنوسة والفراغ وحالة الإحباط التي تتولد منها، البطالة، سن الأمل وأيضًا تبعاتها الهرمونية والنفسية، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ملل الزواج، الزواج بين أفراد من دينين مختلفين، وقضية اللجوء، وأخيرًا الهوية والمواطنة.

“العراب- نادي الشرق”

مقتبسًا من رواية “العراب” الشهيرة لماريو بوزو، مع تغييرات جذرية في البنية الأساسية للقصة والحفاظ على روح المافيا فيها، حقق مسلسل “العراب- نادي الشرق” السوري، من إخراج حاتم علي وتأليف رافي وهبي نجاحًا عند عرضه في عام 2015.

يناقش العمل قصة “أبو عليا”، وهو شخصية متنفذة ممن يطلق عليهم “الحرس القديم”، ويعنى بالحرس القديم الشخصيات التي أمسكت بمفاصل الحياة الأمنية والسياسية في عهد حافظ الأسد، وكان لهم نفوذ وسلطات واسعة، وحققوا ملايين الليرات.

لا يرفض “أبو عليا”، الشخصية القاسية صاحبة المبادئ (المبادئ هنا ليست بالطبع المبادئ الإنسانية، بل هي قواعد اللعبة السياسية والمجتمعية) طلب أي شخص في أثناء حفل زفاف أولاده. ويقام حفل الزفاف بحضور العائلة الواسعة المرتبطة مع بعضها بالمصالح التجارية والاقتصادية والمافيوية.

ويستعرض المسلسل بجزئه الأول أنماط العلاقات بين جهات أقرب إلى المافيا منها إلى شكل الدولة، سواءً بطريقة إدارة الصراع بين هذه الدوائر، أو في طريقة حل المشاكل العالقة، ومنها ضياع ابنة “أبوعليا” (لونا) حتى يجدها دكتور جامعي (نورس) دون معرفة شخصيتها الحقيقية، ويحتويها حتى وصول المعلومات عن وجودها في منزله واعتقاله.

ولا يمكن فصل الأعمال الدرامية السورية عن الواقع من جهة، وعن السلطة السياسية والرقابية من جهة أخرى، فقلما نجد أعمالًا درامية تنجو من سلطة الرقيب ويكون لها حرية الطرح بشكل يوائم ما بين متطلبات العمل الفني الجيد، وواقعية طرحه من جهة أخرى.

شهد عام 2020 نهاية مشوار المخرج حاتم علي، ونعاه المخرج السوري هيثم حقي، الذي أخرج ونفذ فيلم “الليل الطويل، وأخرجه حاتم علي ومثل فيه.

وقال حقي، عبر “فيس بوك”، إن سوريا خسرت “ممثلًا، ومخرجًا، وكاتبًا، وإنسانًا، تليق به الإنسانية. أي حزن يلف سوريتنا المقهورة”.



مقالات متعلقة


الأكثر قراءة


الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة