ليسوا صحفيين..

“المؤثرون” على مواقع التواصل.. هل يمكن استثمارهم

المؤثرون (صورة تعبيرية)

ع ع ع

عنب بلدي – مأمون البستاني

برز خلال العقدين الماضيين نوع جديد من الإعلام، يتمثل بظهور مواقع التواصل الاجتماعي في ظل تطور الإنترنت تزامنًا مع تقدم التكنولوجيا، الأمر الذي قلب الطاولة على الإعلام التقليدي، وصار القرن الـ21 عصر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن كان الاتصال الجماهيري (صحف، تلفزيون، إذاعة) سمة القرن الـ20.

وصارت علاقة الجمهور بوسائل التواصل الاجتماعي لصيقة مع مرور الوقت، خاصة مع مواكبة تقنيات الهواتف الذكية لتطور تلك الوسائل، إذ صار الهاتف الذكي في متناول يد كل شخص من مختلف الفئات العمرية. كما دفع التطور في وسائل التوصل الاجتماعي، المؤسسات الإعلامية للتكيّف معه، والاعتماد على مواقع التواصل (فيس بوك، تويتر، يوتيوب، إنستجرام…)، لنشر المحتوى الذي تقدمه، وجلب الزوّار إلى مواقعها الإلكترونية.

أدت سهولة التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، واستقاء الأخبار منها باعتبارها مصدرًا أساسيًا للحصول على الأخبار والمعلومة السريعة، إلى ظهور فئة جديدة من مقدمي المحتوى بمختلف أنواعه، صارت تُعرف بـ”المؤثرين” (influencers) على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويُعرف “المؤثر” بأنه الشخص الذي يتابعه عدة ملايين من الأشخاص، وبحد أدنى عشرة آلاف متابع، على وسائل التواصل الاجتماعي.

وينقسم “المؤثرون” على مواقع التواصل الاجتماعي إلى عدة أنواع (المشاهير والشخصيات العامة، قادة الرأي، المتخصصون، المدوّنون، الناشطون…)، وذلك بحسب عدد متابعيهم.

في بداية ظهور “المؤثرين” كان نشاطهم مقتصرًا إلى حد معيّن على تقديم محتوى ترفيهي، ومن خلاله يقومون بتسويق سلع تجارية لمتابعيهم مقابل المال.

ولاحقًا، بدأ نشاط هؤلاء “المؤثرين” بالتوسع، من خلال تقديم محتوى يتطرق لمختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بهدف الشهرة والمال.

وأدى توسع نشاط “المؤثرين” إلى ظهور منحى مختلف لتأثير المحتوى الذي يقدمونه، فبعد أن كان من أجل أهداف تسويقية والشهرة، صار التأثير يطال وعي المتلقي وتكوين الرأي العام حول القضايا التي تهم الجمهور.

صحافة المواطن و”المؤثرون”

“مع انتشار السوشيال ميديا، ووجود مساحة حرة للتعبير عن رأي كل شخص يمكن أن ينشئ حسابًا على إحدى منصات وسائل التواصل الاجتماعي، صارت الفرصة متاحة لكل شخص للعب دور الإعلامي”، بحسب ما قالته منى وجدي فرج، الأستاذة المساعدة في كلية الإعلام بجامعة “القاهرة”، لعنب بلدي.

وأضافت فرج، “ربما هذا فتح الباب لظهور (صحافة المواطن)، إذ صار بإمكان أي شخص يمتلك هاتفًا محمولًا أن ينقل الأحداث المحيطة به للإعلام، حتى قبل أن تصل وسائل الإعلام إلى موقع الحدث”.

لذلك لم يعد الإخبار مقتصرًا على الصحفي المهني، بحسب فرج، بل صار كل شخص لديه “موبايل” متصل بالإنترنت يمكن أن يكون مصدرًا للأخبار.

وأوضحت أن من أبرز أسباب متابعة هؤلاء المؤثرين بكثرة من قبل فئة الشباب، اختيارهم المواضيع التي تهم الجمهور المستهدف، والسمات المشتركة الخاصة بالعمر والاهتمامات والتفضيلات، واللغة البسيطة والقريبة من الشارع ومن أولويات الجمهور، إضافة إلى خطابهم المبسّط وظهورهم في كادر يعكس حياتهم الواقعية، بعيدًا عن تجهيزات الاستديو الصناعية التي تفصل المرسل عن المتلقي في المؤسسات الإعلامية.

واعتبرت فرج أن هناك “فرصة ذهبية” لاستثمار “المؤثرين” في مواقع التواصل الاجتماعي، بإيصال أفكار كثيرة ربما عجزت المؤسسات الإعلامية عن توصيلها، إلا أن ذلك يتطلب أن يكون هناك وعي وتثقيف وحسن توجيه وتخطيط لكيفية الاستفادة من هؤلاء “المؤثرين”، بتحقيق أهداف تعمل على رقي المجتمع وتنميته.

“المؤثر” في الحالة السورية

خلال السنوات العشر الماضية، برز “مؤثرون” سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، وصار بعضهم مُتابَعًا من قبل عشرات الآلاف، منهم من يقدم سرديات عن حياته اليومية، وبعضهم الآخر اتجه نحو تقديم محتوى مرتبط بالسياسة وتحليل المواقف السياسية، وكذلك الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، بينما قدّم آخرون أنفسهم كمدونين، وشعبيين، ومحترفي ألعاب، وغيرهم.

تزامن تطور مواقع التواصل الاجتماعي مع بدايات الثورة السورية وانفتاح السوريين على العالم من خلال تلك المواقع، إضافة إلى حالة اللجوء السوري إلى مجتمعات جديدة، وهو ما نتج عنه ظهور هؤلاء “المؤثرين”، وبروز دورهم في التأثير على متابعيهم.

كما كان التفاعل المباشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أبرز أسباب انتشار هؤلاء “المؤثرين”، الذين بنوا قاعدة جماهيرية تتابعهم وتتأثر بأفكارهم وآرائهم، خصوصًا أولئك الذين يقدّمون محتوى إعلاميًا بوصفهم صحفيين ومصدرًا للأخبار، الأمر الذي يطرح التساؤل عن مدى قوة تأثيرهم في تكوين الرأي العام لدى شريحة واسعة من المجتمع.

ليسوا صحفيين

أستاذ علم الاجتماع في جامعة “دمشق” سابقًا، والباحث في مركز “حرمون للدراسات” الدكتور طلال مصطفى، أكّد أن هناك فرقًا شاسعًا بين مهنة الصحافة، وبين من يكتب أو يقدم محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضح مصطفى، في حديث إلى عنب بلدي، أن لمهنة الصحافة قوانين وأخلاقيات مهنية تحكم عملها، في حين أن “المؤثر” يقدم محتوى هو عبارة عن آراء شخصية ضمن مساحة تتيحها له مواقع التواصل، ولا توجد لها ضوابط مهنية وأخلاقية، ولذلك لا بد من التمييز بين الصحيفة ومواقع التواصل الاجتماعي.

وأوضح أن “المؤثر” ليس صحفيًا، وما يقدّمه من محتوى سواء أكان مكتوبًا أم مرئيًا، ما هو إلا مجرد تعبير عن آراء شخصية، ناتجة عن اهتماماته بقضايا ربما تكون أحيانًا مهنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

في وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب مصطفى، “للأسف أكثر ما يجذب المتابعين هو الأخبار القصيرة، والصورة، والشائعات، وحتى الشتائم، مشيرًا إلى أن خبرًا مضللًا عن فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يلقى تفاعلًا من المتابعين أكثر بكثير من خبر أكاديمي حول نفس الموضوع”.

وأكد مصطفى أنه من خلال ملاحظته لما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وجد أن المحتوى الرصين المقدّم من اختصاصيين أكاديميين (صحفيون، أدباء، كتّاب…)، يكون غالبًا عدد المتابعين والمتفاعلين معه بالعشرات فقط.

مصطفى شدد على أن تأثير هؤلاء “المؤثرين” مقتصر على شريحة معيّنة (شباب ومراهقون)، وهو تأثير مؤقت كفقاعات الصابون، ومن الممكن أن ينساهم الناس خلال أشهر، مثلهم مثل الفن الهابط، فما أكثر الفنانات اللواتي قدّمن أغاني هابطة، ولكنها نُسيت بعد فترة، في حين تعيش أغاني الفن الأصيل عشرات ومئات السنوات.

ما يسمى بـ”المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق ما قاله الدكتور مصطفى، لن يستطيعوا بالتأكيد بناء منظومة ثقافية أو معرفية أو حتى اجتماعية أو سياسية، لأنهم بالأساس غير مهنيين أو متخصصين.

ونوه مصطفى إلى أن تأثير الأكاديميين السوريين في مختلف الاختصاصات يكون ضعيفًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وينحصر في دائرة ضيقة تضم أمثالهم الأكاديميين، إلا أنه تأثير مستمر يبني منظومة ثقافية وقيمية لسوريا المستقبل.

فوضى وحالة غير صحية

رئيسة مجلس إدارة “ميثاق شرف للإعلاميين السوريين”، غصون أبو الدهب، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن “وسائل التواصل الاجتماعي تعاني من فوضى شديدة، الغثّ فيها أكثر من السمين، ما يجعل المتابعين يتلقون معلومات وتحليلات (سياسية، اقتصادية، اجتماعية، دينية…) غير دقيقة، وفي حالات أخرى مضللة، وللأسف، نرى الكثير من الشرائح تتابع المؤثرين على السوشيال ميديا بعيدًا عن وسائل الإعلام التي يمتلك أغلبها ضوابط أخلاقية ومعايير مهنية جيدة، تختلف من وسيلة لأخرى”.

واعتبرت أبو الدهب أن “انتشار ظاهرة المؤثرين على السوشيال ميديا دون ضوابط مهنية وأخلاقية، حالة غير صحية، يصعب ضبطها دون قوانين ناظمة، ولذلك نرى هذا الخطاب يفيض بالكراهية والعنصرية والألفاظ المسيئة والمعلومات غير الدقيقة والإشاعات، التي يسعى أغلبها للعب على الوتر العاطفي الشعبوي لدى المتلقي، وهو ما يجعل لمثل هؤلاء آلاف المتابعين، وأنا شخصيًا أجده ظاهرة مقلقة للغاية من الممكن أن تؤدي إلى تحريض وأعمال شغب وعنف لا تحمد عقباها”.

“في الحالة السورية لا يوجد أي نوع من أنواع المساءلة للأفكار المطروحة من قبل هؤلاء المؤثرين”، بحسب ما قالته أبو الدهب، منوهة إلى أن “العواقب القانونية للممارسات التي يمكن أن تفضي للإساءة أو التحريض، مقرونة بحالات فردية، ويمكن أن تُتخذ إجراءات قانونية وفق قوانين البلد على المسيء، وهي حالات قليلة جدًا، لا تشكّل رادعًا لمثل هؤلاء”.

نصائح لتجنب الوقوع بفخ “المؤثرين”

قدّمت منصة “تأكد” المتخصصة بالتحقق من المعلومات، مجموعة من النصائح لتجنب الوقوع في فخ التضليل والمعلومات المضللة من قبل “المؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي، وأبرزها:

التفريق بين الرأي والخبر عند التعرض لمحتوى وسائل التواصل.

متابعة المؤسسات الإعلامية التي تحظى بالمصداقية، وتلتزم بمبادئ مهنة الصحافة.

تنويع مصادر المعلومات التي نستقيها، دون الاعتماد على مصدر واحد فقط.

عدم الاكتفاء بعناوين الأخبار، والاطلاع على تفاصيلها، والمراجع المستندة إليها.

وأشارت المنصة إلى أن الشخصية المؤثرة ليست بالضرورة أن تكون مصدرًا موثوقًا للأخبار.

الصحفي السوري المتخصص بتدقيق المعلومات، ومدير منصة “تأكد”، أحمد بريمو، قال لعنب بلدي، إن المنصة تتعامل مع المحتوى المضلل المقدّم من قبل المؤثرين على مواقع التواصل الذين صاروا مصدرًا رئيسًا للأخبار، كتعاملها مع أي وسيلة إعلامية تقدم محتوى مضللًا.

وأوضح أن المنصة في هذه الحالة وبغض النظر عن طبيعة المحتوى، سواء أكان إخباريًا، ثقافيًا أو علميًا، تتحقق من المعلومة وتنشرها على موقع المنصة، وذلك بعد إجراء عملية تحقق من المعلومة والإحاطة بمختلف جوانبها، وتقديم المعلومة الصحيحة للمتابع من خلال إرفاق الأدلة والمراجع الموثوقة، وتبيان موضع الخلل في المعلومة التي نشرها “المؤثر”.

وقال بريمو، إن بيت القصيد، هو أن هؤلاء “المؤثرين” ليسوا صحفيين، بل مجرد مقدمي محتوى، لا يضعون لأنفسهم معايير مهنية تفرضها أساسيات ومبادئ العمل الصحفي.

وأكد أن هؤلاء “المؤثرين” لا يمكن أن يكونوا مصادر للمعلومات، إلا من يقدم منهم محتوى عن حياته الشخصية فقط، فعلى سبيل المثال، لا يمكن أخذ معلومات إخبارية أو طبية من شخص مؤثر يظهر ببث مباشر لعمل تحدٍّ على مواقع “فيس بوك، تويتر، يوتيوب، تيك توك…”.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة