هاربًا من توصيف الوضع المتردي في البلاد

الإعلام الرسمي السوري: أوروبا جائعة والأمريكيون مرضى نفسيون

ع ع ع

عنب بلدي – مأمون البستاني

تدأب وسائل إعلام النظام السوري الرسمية والمقربة منه على نقل أخبار وتغطيات عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية في الدول الغربية، وخصوصًا تلك الدول التي اتخذت موقفًا واضحًا ضد النظام منذ انطلاق الثورة السورية في العام 2011.

ويكفي إجراء بحث بسيط على الإنترنت عن تغطيات إعلام النظام لأزمات الغرب، لتظهر عشرات النتائج التي تشير إلى ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم والجوع والفقر، وتأثير ذلك حتى على نفسية السكان في أوروبا وأمريكا وتركيا وغيرها، وكأن الإعلام الرسمي السوري يبرر فشل السياسات الاقتصادية وأزمات الجوع والبطالة التي تسببت بها سياساته الأمنية، حيث يوجه أنظار الجمهور المتعب إلى مشكلات في أماكن أخرى بشكل مبالغ فيه.

وعادة ما يبرر إعلام النظام تقديمه تغطيات محدودة عن ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية في سوريا، بذرائع اتخذها شمّاعة لفشل حكوماته المتعاقبة في إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية، وذلك بتضمين تلك التغطيات مبررات من قبيل آثار “الحصار الجائر”، وعقوبات “قيصر” المفروضة على سوريا.

وفي المقابل، ترصد وسائل إعلام النظام، بشكل مستمر، ما يمكن أن تنقله لجمهورها من أزمات يعيشها الغرب، لإيصال رسالة للسوريين مفادها أن المواطنين في الدول الأوروبية مثلًا يعانون أيضًا من الأزمات الاقتصادية.

كما أن إعلام النظام لا ينفك عن نقل أخبار تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في الدول الغربية، فعلى سبيل المثال، يركّز على تغطية حالات اعتقال الصحفيين والتضييق على الحريات الصحفية في تركيا، متجاهلًا مئات الانتهاكات التي ارتكبها بحق الإعلام منذ عام 2011.

وشكّل “الغزو” الروسي لأوكرانيا منذ أواخر شباط الماضي، وما تبعه من فرض عقوبات متبادلة بين روسيا والغرب، أرضًا خصبة لوسائل الإعلام السورية الرسمية، لتلقف الأخبار عن تأثر اقتصاد الدول الأوروبية جراء “الغزو”.

“البعث”: البريطانيون يواجهون الجوع

في 1 من أيار الحالي، نقلت جريدة “البعث” الناطقة باسم حزب “البعث العربي الاشتراكي”، تقريرًا بعنوان “نيويورك تايمز: البريطانيون يواجهون الجوع والبرد بسبب ارتفاع الأسعار”، لتسلّط من خلاله الضوء على ما يواجهه البريطانيون من مشكلات لم تشهدها بلادهم منذ عام 1956، جراء الارتفاع الشديد في أسعار الوقود والتضخم وانخفاض دخل الأسرة.

ويقول التقرير الذي نقلته “البعث”، إن العديد من الأشخاص خفضوا الإنفاق بالفعل، وباتوا مضطرين إلى مراجعة ميزانيات أسرهم مرة أخرى، والامتناع عن عدد من المواد الغذائية، وفي الحالات القصوى، حتى قطع الكهرباء والغاز مؤقتًا.

يأتي ذلك في وقت يعيش فيه السوريون بمناطق سيطرة النظام أوضاعًا اقتصادية متردية، نتيجة تدني قيمة الليرة السورية، وارتفاع الأسعار بشكل عام إلى مستويات قياسية، إضافة إلى نقص حاد في موارد الطاقة من كهرباء وغاز ومازوت، فضلًا عن انتشار البطالة.

وفي 25 من شباط الماضي، صرحت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة، جويس مسويا، أن سوريا الآن تحتل المرتبة الأولى بين الدول العشر الأكثر انعدامًا للأمن الغذائي على مستوى العالم، حيث يعاني 12 مليون شخص من وصول محدود أو غير مؤكد إلى الغذاء.

وقالت مسويا، إن الاقتصاد السوري يتدهور أكثر، وتواصل أسعار الغذاء الارتفاع، والناس يعانون من الجوع، فتكلفة إطعام أسرة مكوّنة من خمسة أفراد بالمواد الأساسية فقط تضاعفت تقريبًا خلال عام 2021.

وذكرت أن العائلات السورية تنفق في المتوسط ​​50% أكثر مما تكسب، ما يعني اقتراض المال من أجل تدبير أمورها، وقد أدى هذا إلى “خيارات لا تطاق”، بحسب المسؤولة الأممية.

“الثورة”: الأزمات ترهق الأمريكيين

صحيفة “الثورة” الحكومية نقلت، في 24 من نيسان الماضي، تقريرًا عن شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية، قالت فيه إن جمعية علم النفس الأمريكية أجرت استطلاعًا خلص إلى أن الحالة النفسية لـ75٪ من الأمريكيين وصلت إلى نقطة حرجة.

وتضمّن التقرير معلومات بأن نتائج الاستطلاع بينت أن حوالي ثلاثة أرباع الذين تم استطلاع آرائهم يشعرون بالإرهاق وبالضغط النفسي، بسبب سلسلة لا تنتهي من الأزمات.

كما قال التقرير، الذي ركزت عليه “الثورة”، إن الأمريكيين يعانون من ضغوط نفسية متزايدة، بينما لا تتوفر خدمات التأمين على الصحة النفسية لهم جميعًا.

وذكرت الصحيفة أنه بحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن بي سي” الأمريكية، فإن عدد الأمريكيين البالغين الذين يعانون من أعراض القلق والاكتئاب، منذ عدة أعوام، ارتفع إلى 42%، بعد عام قاسٍ وعاصف على الأمريكيين، وزاخر بمعاناتهم النفسية، وهو عام 2021 الذي شهد تفشي جائحة “كورونا المستجد” (كوفيد- 19).

وبحسب التقرير، فإن كل شخص واحد من خمسة أمريكيين، يعاني من مشكلات تتعلق بالصحة النفسية، مشيرًا إلى أن تكاليف الرعاية النفسية في الولايات المتحدة باهظة على نحو قد يُجبر العديد من الأمريكيين على أن يُحجموا عن مجرد التفكير في تلقيها، في حال لم يكن يحظى المريض بالتغطية التأمينية.

قبل نحو أسبوعين من نقل صحيفة “الثورة” لهذا التقرير، كان المدير العام لـ”الهيئة العامة للطب الشرعي”، زاهر حجو، أعلن تسجيل 45 حالة انتحار في مناطق سيطرة النظام السوري منذ مطلع العام الحالي.

وأوضح حجو في تصريحات لصحيفة “الوطن” المحلية، في 12 من نيسان الماضي، أن 37 شخصًا من المنتحرين هم من الذكور، وثمانية من الإناث، مضيفًا أن أكثر الحالات كانت لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا.

وأشار حجو إلى أن أكبر هؤلاء الأشخاص رجل بعمر 73 سنة، بينما أصغرهم سنًا طفل بعمر 13 سنة.

وسُجلت 27 حالة انتحار من مجموع حالات الانتحار الكلي عن طريق “الشنق”، و13 حالة من خلال إطلاق النار، وثلاث حالات سقوط من مكان عالٍ، وحالتان عبر تناول السم، بحسب حجو

“سانا”: تضخم ومعتقلون في تركيا

وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) نقلت، في 10 من نيسان الماضي، خبرًا قالت فيه إن السطات التركية أقرت بأن عدد المعتقلين والمدانين في تركيا وصل إلى 314 ألف شخص، وهو “رقم لم يشهده تاريخ البلاد من قبل”، بحسب الوكالة.

وعادة ما تركّز “سانا” على نشر أخبار عن ارتفاع معدلات التضخم في تركيا، ففي 3 من آذار الماضي، نقلت الوكالة خبرًا مفاده أن التضخم في تركيا بلغ خلال شباط الماضي أعلى معدل له في عقدين على أساس سنوي.

وأشارت إلى أن من أسباب ارتفاع معدلات التضخم في تركيا، ضعف قيمة العملة التركية وقرارات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إزاء خفض معدلات الفائدة.

النظام يعتمد منهج التعميم

رئيس “رابطة الصحفيين السوريين”، سمير مطر، قال إن “سياسة تضليل المواطنين التي اتبعها ويتبعها النظام السوري، هي سياسة إعلامية ممنهجة وتابعة للمراقبة بشكل مباشر من قبل ضباط الأمن”.

وأضاف مطر في حديث إلى عنب بلدي، أن “النظام السوري نجح عبر وسائل إعلامه في الكثير من الأحيان في تمييع الحقائق، وتغيير صورة الواقع من خلال نشر صور وأخبار منتقاة بعناية”.

وبحسب مطر، “نجاح النظام يعود أيضًا إلى اعتماده منهج التعميم، وينطبق هذا الأمر على ارتفاع الأسعار في الدول الأوروبية والعالم بشكل عام، بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا”.

وأشار إلى أن “ارتفاع الأسعار حدث فعلًا، وهناك تضخم مثلًا في ألمانيا، ولكن نسبة التضخم لا تقارن بالتضخم الذي حدث في سوريا جراء السياسة الأمنية هناك، نسبة التضخم وصلت إلى 7% في ألمانيا في آذار الماضي، بينما وصل التضخم في سوريا إلى عشرات الأضعاف”.

وأضاف مطر، “هناك جمهور محدد يسمع الأخبار الزائفة للنظام، وهو يريد أن يسمعها، لأن تكذيب أخبار النظام يشكّل تحديًا لهذا الجمهور، ويتطلّب تغييرًا في موقفه تجاه ما يحدث على الأرض السورية من إجرام، وهذا ما يتجنبه كثيرون من جمهوره المؤيد أو الصامت”.

مطر أشار إلى أن “الباحث عن الحقيقة يسعى عادة لمعرفة صحة ومصداقية خبر ما في عدة مصادر للتأكد منه، ويقول المختصون، إن كثيرين لا يبحثون عن مصادر عدة لخبر واحد، وهذا أمر شائع في كل دول العالم، ولم يعتده كثير من السوريين، بسبب سياسة الحزب الواحد والإعلام الواحد أصبح في سوريا المصدر الواحد، وهذا خطير ونرى نتائجه بوضوح”.

وأكد رئيس “رابطة الصحفيين” أن “النظام السوري يتحمل وكذلك الإعلاميون الذين يروّجون لأخباره، مسؤولية تضليل الناس، لأن المواطن له الحق بالحصول على المعلومة من جهة مستقلة وليست تابعة لنظام متهم بارتكاب عشرات الآلاف من الجرائم”.

سوريا.. الإعلام لبث الدعاية الحكومية

ارتفعت سوريا مرتبتين في ذيل مؤشر “حرية الصحافة” لعام 2022، الخاص بمنظمة “مراسلون بلا حدود”، بحسب التقرير الصادر في 3 من أيار الحالي.

وجاءت سوريا في المرتبة 171 على مؤشر المنظمة الذي شمل 180 بلدًا، متقدمة مرتبتين على تصنيف 2021.

وأكدت “مراسلون بلا حدود” في تقريرها، أن الصحافة الرسمية متمثلة بوسائل الإعلام الإذاعية والتلفزيونية والمطبوعة، تبث الدعاية الحكومية، معتمدة على وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الأمر الذي يجعل منصات التواصل الاجتماعي، أبرزها “فيس بوك”، الأداة الرئيسة لنشر المعلومات بين الناس، وسط انعدام ثقتهم بالصحافة الحكومية.



الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة