ع ع ع

جنى العيسى | حسن إبراهيم | لجين مراد | محمد فنصة

مدّت روسيا وإيران النظام السوري بأسباب البقاء، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا، خلال عقد من الثورة، فدعم الحليفان كفة الأسد في ميزان المعارك، بعدما وصلت المعارضة إلى تخوم العاصمة دمشق.

وبالتوازي مع المسار العسكري، عرقلت موسكو باستخدام حق “النقض” (الفيتو) 16 مرة قرارات تصب في إدانة النظام، في ظل عزلة سياسية أحاطت به جراء تمسكه بالسلطة، ورفضه الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

ووسط الحرب الروسية على أوكرانيا، والانتفاضة الإيرانية الشعبية، فإن تساؤلات تفرض نفسها حول مدى تأثير تلك المتغيرات في آلية واستمرارية دعم الحليفين للنظام على نفس الوتيرة.

الغزو الذي شنته روسيا على جارتها أوكرانيا، منذ 24 من شباط الماضي، يحمل ملامح حرب طويلة بضريبة عالية، إلى جانب احتجاجات شعبية إيرانية آخذة بالتوسع منذ أكثر من 40 يومًا، على خلفية اتهام قوات “الشرطة الأخلاقية” بقتل الشابة مهسا أميني تحت التعذيب، لمخالفتها “شروط اللباس” وفق قواعد السلطات، ما خلق موجة احتجاجات مطالبة بإسقاط مرشد “الثورة الإيرانية”، علي خامنئي، ونظام الحكم القائم في البلاد منذ إسقاط حكم “الشاه”، محمد رضا بهلوي، عام 1979.

مستقبلهما “مهدد بالمزيد”

أوساط الحليفين “متبعثرة”

مر الغزو الروسي لأوكرانيا بمراحل عديدة وصولًا إلى الهجوم المضاد الذي تشنه أوكرانيا منذ أسابيع، شرقي البلاد، ما دعا موسكو للتلويح باستخدام السلاح النووي.

بدا الموقف الأوكراني أكثر ثباتًا وتماسكًا مع الوقت، ولا سيما مع استمرار تدفق الدعم العسكري الأوروبي والأمريكي لكييف، وفي آب الماضي، أطلقت القوات الأوكرانية هجومًا مضادًا واسعًا، واستعادت السيطرة على عشرات القرى، كما تسببت في تعطيل خطوط إمداد الروس.

وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويغو، صرح، نهاية أيلول الماضي، بأن خسائر الجيش الروسي تصل إلى 5937 شخصًا، بينما قدّرت وزارة الدفاع الأمريكية ما يصل إلى 80 ألف جندي روسي أُصيبوا أو قُتلوا في الصراع.

وفي محاولة لقلب موازين القوى، تستخدم القوات الروسية، منذ منتصف تشرين الأول الحالي، في هجماتها طائرات مسيّرة، قالت السلطات العسكرية الأوكرانية إنها إيرانية المنشأ، كما اتهمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إيران بمساعدة الروس على استهداف أوكرانيا بطائراتها المسيّرة، بينما تنفي طهران ذلك.

قائد القوات الروسية في أوكرانيا الجنرال سيرغي سوروفيكين (سبوتنيك)

إيران.. حراك شعبي يشغل السلطة

منذ منتصف أيلول الماضي، تشهد إيران احتجاجات ومواجهات مستمرة مع قوات الأمن الإيرانية على خلفية مقتل الشابة الإيرانية مهسا أميني، إذ قُتل إثر الاحتجاجات 253 شخصًا بينهم 34 طفلًا من المحتجين، بحسب منظمة حقوق الإنسان الإيرانية، في 28 من تشرين الأول الحالي.

وفي 13 من أيلول الماضي، قُتلت أميني بعد احتجازها من قبل عناصر “الشرطة الأخلاقية” بسبب ما تعتبره السلطات الإيرانية “مخالفة لقواعد اللباس”، في ظل اتهامات لعناصر “الأخلاقية” بقتلها تحت التعذيب.

وطالبت منظمة العفو الدولية بـ”التحقيق جنائيًا في ظروف (الوفاة المشبوهة) لأميني البالغة 22 عامًا، والتي تشمل مزاعم التعذيب وغيرها من أشكال سوء المعاملة خلال الاحتجاز”.

بدوره، علّق مرشد “الثورة الإيرانية”، علي خامنئي، في 11 من تشرين الأول الحالي، على الاحتجاجات ونسبها إلى عوامل “خارجية”، بعد توسع رقعتها، وفرض عقوبات غربية على أشخاص اتُّهموا “بالمسؤولية عن القمع”.

وفي 27 من الشهر نفسه، صرح أيضًا الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، معتبرًا أن “أعمال الشغب” تُمهّد الأرضية لوقوع “هجمات إرهابية”، تعقيبًا على حادثة شيراز.

وفي تقرير نشرته صحيفة “The Atlantic” الأمريكية مطلع العام الحالي، قال الباحث والزميل غير المقيم في مؤسسة “كارنيغي للسلام الدولي” كيم غطاس، إنه يخشى أن يتكرر السيناريو السوري في إيران، مشيرًا إلى ما حدث في سوريا، عندما أدت عدم قدرة النظام السوري على تقديم إصلاحات فعلية إلى تحفيز المحتجين، ومع استخدام النظام العنف ضدهم، حمل العديد منهم السلاح، وشُكّلت جماعات ضد النظام الذي تبنّى سياسة “الأرض المحروقة”.

ويرى الباحث أن الاحتجاجات يمكن أن تساعد في إضعاف “قبضة إيران على ما تعتبره قواعد دفاعها الأمامية” في سوريا، ولبنان، والعراق.

في سوريا.. خريطة سيطرة “متأرجحة” بين الحليفين

بعد تكهنات وتخمينات سابقة عن تخفيض وتقليص روسيا عدد قواتها العسكرية في سوريا، لتعزيز جبهتها القتالية في أوكرانيا، بات الحديث واقعًا يتجلى بتحركات عديدة أجرتها موسكو لقواتها على الأراضي السورية، أحدثها سحب روسيا قوات ومعدات عسكرية “حساسة” من سوريا في الآونة الأخيرة، لتعزيز عملياتها العسكرية في أوكرانيا، وفق ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز“، نقلًا عن ثلاثة مسؤولين كبار مقيمين في الشرق الأوسط، في 19 من تشرين الأول الحالي.

وأكد مسؤولان للصحيفة أن عدد القوات الروسية التي سُحبت من سوريا يتراوح بين 1200 و1600 عسكري، في حين قدّر ثالث أن العدد أكبر من ذلك بكثير، في اتفاق جماعي على خفض عدد القوات الروسية المقاتلة.

ولفتت الصحيفة إلى أن حرب روسيا “المتعثرة” في أوكرانيا أدت إلى تآكل نفوذ موسكو في أماكن أخرى، ولا سيما في سوريا التي ساندتها عسكريًا منذ أيلول 2015.

وأعادت موسكو انتشار العديد من القادة الروس من سوريا إلى أوكرانيا، وأصبحت القيادة العسكرية الروسية في موسكو أقل مشاركة في الإدارة اليومية للعمليات في سوريا، وفق ما ذكره مسؤول إسرائيلي للصحيفة.

حديث التقليص وتخفيض القوات والمعدات الروسية في سوريا ليس جديدًا، لكنه يعود مع كل طارئ وتغيّر في خريطة السيطرة العسكرية على جبهات القتال والمعارك في أوكرانيا، بالإضافة إلى تعيين موسكو قادة عسكريين قاتلوا وقادوا معارك في سوريا، أحدثه تعيين موسكو الجنرال سيرجي سوروفيكين قائدًا للقوات الروسية في أوكرانيا، في 8 من تشرين الأول الحالي، وهو قائد القوات الجوية الروسية في سوريا منذ 31 من تشرين الأول 2017.

في آب الماضي، شحنت روسيا منظومة الدفاع الجوي المتقدم “S-300” من سوريا بالقرب من مدينة مصياف جنوب غربي حماة، ونقلت رادار النظام إلى قاعدة “حميميم” العسكرية جنوب شرقي مدينة اللاذقية، بينما نقلت بطارية “S-300” إلى ميناء “طرطوس” البحري، ومنه جرى تحميلها على سفينة روسية متجهة إلى ميناء “نوفوروسيسك” على البحر الأسود.

وقالت صحيفة “موسكو تايمز“، في أيار الماضي، إن روسيا نقلت العديد من الوحدات العسكرية من قواعد في جميع أنحاء سوريا إلى ثلاثة مطارات متوسطية، وتم نقلها إلى أوكرانيا، مقدّرة العدد بأكثر من 60 ألف عسكري، نصفهم من الضباط، مشيرة إلى أن الفراغ ملأه “الحرس الثوري الإيراني”، و”حزب الله” اللبناني، في معلومات وأرقام قوبلت بتشكيك حينها.

تقليص لا فراغ عسكري

المحلل الروسي والباحث غير المقيم في برنامج سوريا بمعهد “الشرق الأوسط” أنطون مارداسوف، اعتبر أن من الخطأ القول إن روسيا قد قللت من وجودها بشكل جدي في سوريا إلى الحد الأدنى بسبب حربها في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن اتخاذ روسيا لبعض الإجراءات (تقليص قوات) قد تم، لكن ضمن إطار تحقيق “الهدف الأمثل”.

وقال مارداسوف، لعنب بلدي، إن المنظومة الدفاعية الحالية الروسية في سوريا (مجموعة جوية بحجم فوج جوي وأنظمة صواريخ إسكندر وغيرها) تسمح للجيش الروسي بأداء المهام السابقة، بما في ذلك تنظيم التدريبات والدوريات مع تركيا وبشكل منفرد شرقي سوريا، وسبق أن أعلنت موسكو نيتها الجدية بخفض عدد قواتها في 2021، أي قبل بدء غزو أوكرانيا.

من جهته، رئيس وحدة المعلومات في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، الباحث نوار شعبان، يرى أن الفراغ العسكري لحلفاء سوريا إيران وروسيا موجود، لكن الفراغ الأمني والإداري غير موجود، لأن روسيا وإيران انتقلتا إلى مرحلة ثانية في سوريا، وهي مرحلة الإدارة بأدوات ناعمة، لافتًا إلى أن روسيا ظاهرة بشكل أكبر من إيران باستخدام هذه الأدوات، وأن إيران تحاول دائمًا استخدام أدوات ناعمة غير متداولة لتحمي ميليشياتها عبر دمجها بهذه الأدوات.

وقال شعبان، في حديثه لعنب بلدي، إن المنظومة العسكرية الروسية والإيرانية التي تعمل في سوريا قللت من عملها منذ 2018، وأصبح نشاطها محدودًا يتعلق بتثبيت واقع عسكري وهو مثبت حاليًا، إذ عملت روسيا وإيران على مبدأ تعزيز القوى العسكرية لخلق واقع أمني في سوريا سابقًا، ونجحتا في ذلك.

ولا تزال روسيا تسيّر دورياتها بشكل دوري ومتكرر في عدة قرى بريف دير الزور الشرقي وعلى الطريق الدولي “M4” في مناطق شرقي سوريا، كما سيّرت مؤخرًا دوريات مراقبة على الخط الحدودي مع الأردن، بدءًا من معبر “نصيب” الحدودي جنوبي درعا، وصولًا إلى مخفر حرس الحدود “107” التابع للنظام السوري قرب بلدة خازمة جنوب شرقي السويداء.

المحلل الروسي لفت إلى أن محادثات الرئيسين الروسي والتركي، فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، هي أيضًا مرتبطة ومؤثرة بكمية وعدد الوجود الروسي في سوريا، فبالنسبة لموسكو أي عملية تركية تستلزم الحاجة إلى نقل قوات إضافية إلى سوريا وخاصة “الشرطة العسكرية” التي يحتاج إليها “الكرملين” ليسيطر على الأراضي التي تم ضمها مؤخرًا من أوكرانيا.

ويشكّل اتفاق “موسكو” أو “وقف إطلاق النار” الموقع بين الرئيس الروسي ونظيره التركي حجر الأساس في أي عمل عسكري شمال غربي سوريا، إذ أوقف خريطة التغيرات العسكرية والقوى المسيطرة منذ توقيعه في 5 من آذار 2020، رغم أنه تعرّض لخروقات عديدة، أبرزها القصف الروسي شبه اليومي على مناطق سيطرة المعارضة السورية.

ورغم سحب منظومة “S-300″، أشار مارداسوف إلى أن منظومة “S-400” بالإضافة إلى أنظمة دفاع أخرى لا تزال موجودة في منطقة مصياف، ولا تستعملها روسيا ضد إسرائيل لعدة أسباب، أبرزها عدم رغبتها في الانخراط بمواجهة إقليمية.

من جهتها، لا تعتقد المحاضرة في العلوم السياسية والباحثة غير المقيمة في برنامج سوريا بمعهد “الشرق الأوسط” الدكتورة دارا كوندويت، أن روسيا ستنسحب من سوريا، فحملتها العسكرية في أوكرانيا تستخدم جزءًا مختلفًا تمامًا من جيشها عن مشروعها في سوريا، الذي يعتمد بشكل أساسي على قوتها الجوية.

وقالت الباحثة كوندويت، لعنب بلدي، إن لروسيا مصالح واضحة جدًا في سوريا، مثل ميناء “طرطوس” البحري وقاعدة “حميميم” الجوية، ما يمنحها عمقًا استراتيجيًا، بما في ذلك الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، كما تأمل روسيا أيضًا في تحقيق عائد على استثماراتها العسكرية من خلال مشاريع إعادة الإعمار المربحة، والتي ما زالت في بدايتها، وهذا ما يوحي بعدم تخلي روسيا عن هذه المكاسب في المدى القصير.

إيران تستغل الظرف الروسي

تتجه الأنظار إلى إيران الحليف الآخر للنظام، مع أي حديث عن سحب أو تخفيض موسكو قواتها في سوريا، مرفقة بمعلومات وتحليلات وتكهنات عن استفادة إيران من الظرف العسكري التي تعيشه روسيا وانشغالها بأوكرانيا، من خلال تعزيز طهران العديد من مواقعها في سوريا.

“الحرس الثوري الإيراني” عزّز وجوده العسكري في مستودعات “مهين”، ثاني أكبر مستودعات السلاح والذخيرة في سوريا، عقب انسحاب كامل للقوات الروسية و”الفيلق الخامس” الموالي لها باتجاه مطار “تدمر” العسكري، وفق ما ذكرته صحيفة “الشرق الأوسط“، في نيسان الماضي، إذ فتح الانسحاب الروسي من “مهين” الباب أمام نفوذ إيراني طويل جغرافيًا وممتد من مناطق القلمون، المحاذية للبنان، إلى دير عطية، ومهين، والقريتين، والسخنة، شرق حمص، وصولًا إلى مناطق أثريا بريف حماة الشرقي، وحقول النفط في جنوب الطبقة بريف محافظة الرقة.

الكاتب والباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الفراغ الذي سيحصل بتقليص الروس نفوذهم في سوريا أكبر من قدرات الإيرانيين على ملئه، خصوصًا أن تعزيز العمق الاستراتيجي الإيراني في سوريا يأتي مع تكاليف اقتصادية باهظة ومكاسب أقل للإيرانيين المحاصرين بالعقوبات الغربية.

وأضاف قدور أن الإيرانيين سيسعون لاستغلال هذه الحالة (تقليص قوات روسية في سوريا) من خلال الاكتفاء بالسيطرة على قطاعات حيوية مهمة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية المختلفة، والعمل قدر المستطاع على تثبيت نقاط السيطرة وضبط الأوضاع في ظل الضعف المتزايد للروس والنظام على خلفية الحرب الأوكرانية، وعدم الرغبة الدولية في تحريك المياه السورية الراكدة.

وفي أيار الماضي، التقى رئيس النظام السوري، بشار الأسد، نظيره الإيراني، إبراهيم رئيسي، والمرشد الأعلى لـ”الثورة الإيرانية”، آية الله علي خامنئي، في زيارة رسمية إلى طهران، وهي المرة الثانية التي يزور فيها الأسد طهران منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.

الزيارة جلبت معها الحديث عن الرسائل والدلالات والغاية منها وسط انخراط حليف النظام الروسي في حربه ضد أوكرانيا، إذ سبقتها زيارة الرئيس السابق لأجهزة المخابرات في النظام، ومدير مكتب “الأمن الوطني”، اللواء علي مملوك، للقاء كبار المسؤولين الإيرانيين في شباط الماضي، وزيارة وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، إلى سوريا في آذار الماضي.

وفي تقرير نشره مركز “الشرق للأبحاث الاستراتيجية”، في حزيران الماضي، اعتبر أن القادة الإيرانيين سعوا بالفعل إلى الاستفادة من مخاوف الأسد بشأن الدور الروسي المتغير وزيادة حيزهم السياسي في سوريا، وأن زيارة الأسد إلى طهران هي مبادرة من طهران لطمأنة بشار الأسد بأنه لا يزال بإمكانه الاعتماد على دعم إيران الكامل، بغض النظر عن دور روسيا.

كما تحاول إيران أيضًا الاستفادة من الظروف في المجال الاقتصادي، إذ يأمل القادة الإيرانيون في أن المشكلات الاقتصادية لروسيا نتيجة العقوبات الغربية من ناحية، واحتمال رفع العقوبات الإيرانية مع احتمال إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) من ناحية أخرى، قد يمنحان طهران مجالًا أكبر للمناورة في إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا بعد الحرب حيث تم تهميشها بشكل متزايد من قبل الروس على مدى السنوات الأربع الماضية، وفق تقرير مركز الأبحاث الذي أعدّه الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حميد رضا عزيزي.

“لا انعكاسات حالية”

ومع انخراط طهران في الغزو الروسي لأوكرانيا من خلال تزويد روسيا بصواريخ وطائرات مسيّرة، وموجة الاحتجاجات التي تشهدها المدن الإيرانية، انخفضت حدة الحديث عن استغلال إيران لانشغال روسيا في أوكرانيا، بالسيطرة على مواقع أكثر وتوسعة نفوذها في على حساب روسيا في سوريا.

المحاضرة في العلوم السياسية والباحثة غير المقيمة في برنامج سوريا بمعهد “الشرق الأوسط” الدكتورة دارا كوندويت، أوضحت أن الاحتجاجات في الداخل تمثّل مشكلة كبيرة لإيران، وخاصة “الحرس الثوري” الذي تم تشكيله حرفيًا لحماية النظام الإيراني، ورغم أن نظام الحكم الإيراني و”الحرس الثوري” سيستخدمان كل الموارد المتاحة لقمع تلك الحركة والاحتجاجات، فمن المهم أيضًا عدم التقليل من عمق مصالح “الحرس” في سوريا.

تعتبر سوريا مركزية في رؤية “الحرس الثوري الإيراني” للعالم وأهدافه الإقليمية ووجوده بالفعل، وأنفقت إيران رؤوس أموال سياسية ومالية وعسكرية ضخمة في سوريا لتحقيق أهدافها، ولا أعتقد أنها ستتخلى عن ذلك بسهولة.

ومما يسهل الأمر حقيقة أن إيران لديها ميليشيات أجنبية تحت تصرفها في سوريا، وحتى لو تحول انتباه “الحرس الثوري” عن سوريا مؤقتًا، فإن وجوده العسكري ونفوذه سيبقى، ولا أتوقع تغييرًا كبيرًا بالوجود الإيراني في سوريا بهذه المرحلة.

المحاضرة في العلوم السياسية والباحثة غير المقيمة في برنامج سوريا بمعهد “الشرق الأوسط” الدكتورة دارا كوندويت

ولا يعتقد الباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور بوجود أي انعكاسات للانتفاضة الإيرانية على النفوذ الإيراني في سوريا على المدى القريب، مع إمكانية وجودها على المدى البعيد، لكن ذلك يعتمد برأيه على مدى استمرارية الانتفاضة الشعبية في مواجهة القبضة الحديدية للنظام الحاكم.

ورجّح قدور أن يؤدي غرق الروس أكثر في الحرب الأوكرانية الطويلة إلى غرق الإيرانيين معهم، ونفاد مخزوناتهم الاستراتيجية من المسيّرات والصواريخ الدقيقة، وهو ما سيؤثر بطبيعة الحال على قدرات المناورة الإيرانية في المنطقة على تسليح الوكلاء الإقليميين والاستمرار في سياسة تصدير “العنف والإرهاب” للمنطقة.

“لا بد أن جر روسيا إيران إلى وحل الحرب الأوكرانية ستكون له أثمان باهظة على السياسة الخارجية الإيرانية في عدة ملفات دولية، أهمها النفوذ الإيراني في سوريا والملف النووي”.

الكاتب والباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور

من جهته، قال المحلل الروسي مارداسوف، إن موسكو ليست لديها رغبة كبيرة في مواصلة التنافس مع إيران على النفوذ في سوريا، بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا وازدياد الشعور بالشراكة في التحالف المناهض للولايات المتحدة، لافتًا إلى إن الجيش الروسي غادر مواقع مختلفة عشرات المرات قبل الحرب الروسية في أوكرانيا، وشغلتها بعد ذلك مجموعات موالية مختلفة.

كما تم نشر وحدات “الفيلق الخامس” في جميع أنحاء سوريا، ولدى موسكو “أوهام” بأنهم عملاء للمصالح الروسية، لكن هذا وهم، بحسب مارداسوف، لأن هذه الوحدات لها وضع قانوني مشكوك به من وجهة نظر نظام بشار الأسد.

واعتبر الباحث نوار شعبان أن انسحاب قوى عسكرية لروسيا وإيران لن يؤثر في سوريا، لعدم وجود غريم، وعدم وجود من يتجرأ في المنطقة سواء قوى محلية أو دولية لسد هذا الفراغ، مرجّحًا استمرار الواقع كما هو عليه حاليًا.

رئيس النظام السوري، بشار الأسد، والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، والرئيس الإيراني، ابراهيم رئيسي، 8 من أيار 2022 (حساب خامنئي/ تويتر)

هل الأسد ضعيف مع انشغال الحلفاء

خلال السنوات السابقة، لعبت كل من روسيا وإيران أدوارًا محورية لمنع انهيار النظام السوري، وقدمت له دعمًا متواصلًا، ولكن انشغال البلدين وفرضية تأثير ذلك على حجم وجودهما في سوريا، خلق التساؤلات حول مدى ارتباط “قوة” الأسد بوجودهما، والملفات التي قد يخسرها جراء ذلك.

المحلل الروسي والباحث غير المقيم في برنامج سوريا بمعهد “الشرق الأوسط” أنطون مارداسوف، اعتبر في حديث لعنب بلدي، أن الأسد يدرك أنه لا يمكن الاستغناء عن الدعم الروسي المتعدد، لهذا اعترف مؤخرًا بـ”استقلال وسيادة” كل من “جمهورية لوغانسك الشعبية” و “جمهورية دونيتسك الشعبية”، اللتين سيطرت عليهما روسيا بدعم من قوات انفصالية في أوكرانيا.

ويرى مارداسوف أن النظام السوري وجد في الغزو الروسي لأوكرانيا فرصة له للتفاوض خلف الكواليس وتوسيع مساحة المناورة خلف ظهر موسكو، مضيفًا أن من الواضح أن دمشق تحاول الحصول على تفضيلات معيّنة من المدافعين عنها، وفي نفس الوقت إيجاد فرص للتنويع من تلك التي لا تستطيع روسيا وإيران تخريبها، كتكثيف اتصالاتها مع الإمارات العربية المتحدة، واللاعبين الآخرين في المنطقة، بحسب تعبيره.

وخلال الأشهر الأخيرة، ارتفعت وتيرة التدريبات القتالية التي تجريها قوات النظام السوري بإشراف روسي، تصدّرت فيها عمليات الإنزال المظلي، كان آخرها قبل أيام، إذ أعلنت وزارة الدفاع تنفيذ القوات البرية والجوية التابعة لقوات النظام مشروعًا تكتيكيًا عملياتيًا بالذخيرة الحية على مدى عدة أيام، وذلك بالتعاون مع “القوات الروسية الصديقة العاملة في سوريا”.

الباحث مارداسوف اعتبر أن هذه التدريبات بإشراف روسي تجري بانتظام، وفقًا لجدول التدريب القتالي للجيش الروسي، موضحًا أن تركيز روسيا على تدريب “قوات النمر” (الفرقة 25 قوات خاصة) بسبب مشاركتها في العمليات العسكرية في البادية السورية، بالإضافة إلى أن هذه التدريبات تسمح لموسكو بالحفاظ على مستوى التعاون العسكري في وقت صعب بالنسبة لها.

من جهته، يرى الكاتب والباحث في الشأن الإيراني ضياء قدور، في حديثه إلى عنب بلدي، أن انشغال إيران يضعف الأسد، إذ قد يؤدي تراجع نفوذها العسكري لإضعاف موقفه الحالي بشدة، كما يمكن لهذا التراجع على المستويات المختلفة منها الاقتصادية أن تكون له آثار “مدمرة” على النظام الذي يعيش اليوم على “المنفسة” الاقتصادية الإيرانية، بحسب تعبيره.

ويعتبر قدور أن الحديث عن أن الأسد اليوم في أضعف حالاته بسبب انشغال حليفيه الرئيسين صحيح من الناحية النظرية، لكن ليس هناك ما يدعمه في الوقت الحالي على أرض الواقع، فكلا الحليفين لا يظهر أي ملامح للتراجع بأنواعه العسكري أو السياسي أو الاقتصادي على الأرض السورية، مضيفًا أنه ربما يجب الانتظار لرؤية نتائج الحرب الأوكرانية على المدى البعيد.

“استراتيجية مسبقة لترك مسافة”

وقبل هذه الأحداث كلها، ذكر تقرير نشر في موقع “Newlines Institute“، في آذار 2021، أن بشار الأسد اتبع استراتيجية تهدف إلى ترك مسافة معيّنة بينه وبين إيران وروسيا، اللتين أصبحتا تتحكمان بقطاعات واسعة في سوريا.

وأوضح التقرير أن الأسد أجرى تغييرات “هادئة ومحورية في قيادات الأجهزة الأمنية”، لإعادة فرض سيطرته عليها، وهي من الأفرع الأمنية التي تتدخل فيها روسيا وإيران بعمق، ما اعتُبر أن الأسد بذلك يعزز دائرته الداخلية الموثوقة.

واعتبر التقرير أن الهدف من هذه التغييرات، ضمان عدم حدوث انقلاب ضد الأسد، وحماية نفسه من خلال ضمان ولاء رؤساء المكاتب الأمنية الرئيسة، وأفرع المخابرات، وكبار ضباط القصر الرئاسي، أو ضمان عدم انتشار الفساد في هذه الأجهزة والأفرع الذي يجعل الأسد عرضة للمزيد من التسلل الإيراني والروسي من خلال رشوة الضباط وكبار المسؤولين.

“فرصة” للمعارضة السورية

في ظل الحديث عن التكهنات حول موقف النظام السوري في الوقت الراهن، بانشغال حليفيه، ظهرت مطالبات لم تتجاوز صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، مفادها بأن لدى المعارضة السورية “فرصة” لتغيير الواقع المستمر في سوريا منذ سنوات.

ورغم أن التحرك العسكري “غير ممكن حاليًا” في ظل وجود اتفاق “موسكو” الموقّع في 2020 بين الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان، لا تزال “الفرصة قائمة” سياسيًا، لكون روسيا وإيران “المنشغلتين” تسيطران على مسارات التفاوض المفعلة للوصول إلى حل سياسي في سوريا، إذ تسيطر روسيا وإيران، بالإضافة إلى تركيا، على مسار “أستانة” باعتبارها الدول الضامنة، ما يعطيها فرصة التحكم بالمسار والتلاعب بمجرياته.

ويظهر الدور الإيراني والروسي بالتلاعب في الملف السياسي السوري وتعطيله، في تحويل محادثات “أستانة” حول سوريا إلى جولات متكررة لا تحرز أي تقدم، وهو ما يؤكده البيان الختامي للجولة الـ18 من المحادثات في العاصمة الكازاخية نور سلطان، في 16 من حزيران الماضي، الذي لا يختلف في مضمونه عن الجولات السابقة، واقتصر على التأكيد على البنود السابقة.

كما تواصل روسيا تعطيل أعمال اللجنة الدستورية المنبثقة من مسار “أستانة”، من خلال رفضها إقامة اجتماعات اللجنة في جنيف، على خلفية الموقف السويسري في أوكرانيا، واقتراحها مدنًا بديلة، وهو موقف يؤيده النظام السوري، وترفضه الأمم المتحدة والمعارضة.

اجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف – 30 تشرين الأول 2019 (UN Photo Violaine Martin)

المعارضة: فرصة لن تتكرر

عضو الهيئة العامة في “الائتلاف الوطني” نصر الحريري، قال في حديث لعنب بلدي، إن الاستفادة من الوضع الراهن للنظام السوري وحليفه، يمكن أن تكون مشتركة بين المعارضة والدول التي ترى في إيران وروسيا تهديدًا لها.

وأوضح الحريري أن دور المعارضة حاليًا يمكن أن يكون في اتجاهين، أولهما “ذاتي” ويبدأ من تحسين بناء المؤسسات “الثورية” وعلى رأسها “الائتلاف” و”الحكومة المؤقتة” و”الجيش الوطني” والأمن والقضاء وبقية المؤسسات، مضيفًا أن الدور الأساسي للمعارضة مرتبط بتعزيز شرعيتها وتعزيز الثقة بينها وبين “الحاضنة الثورية” وتحديد عوامل قوتها.

أما الاتجاه الثاني، بحسب الحريري، فهو تطوير العلاقة والتحالف مع أصحاب المصلحة بالحل في سوريا، للحد من نفوذ إيران وروسيا في المنطقة والعالم، معتبرًا أن التحالف سيبنى على أساس المصالح المشتركة مع إعطاء الأولوية لـ”المصلحة الوطنية السورية”.

وبحسب الحريري، فإن هذه التطورات موجودة وتناقش على الطاولة من قبل المعارضة، لكنها تتطلب خطة عمل واضحة بجدول زمني محدد، لاستغلال الفرصة “التي في الغالب لن تتكرر”، وفق قوله.

الرئيس الأسبق لـ”الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة”، الدكتور خالد خوجة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن الوضع الراهن للنظام السوري يتيح فرصًا للمعارضة للتحرك ضد النظام السوري بما يعكس “إرادة الشارع الثوري”، لكن هذه الفرص مرهونة بعدة عوامل، تحقيقها غير ممكن.

ومن أبرز العوامل التي ذكرها خوجة، استقلال “القرار الثوري” وانسجام الحراك السياسي مع العسكري على الأرض، لافتًا إلى أن الدول المسيطرة على “اللعبة” في سوريا ما زالت هي التي تحدد مسارات النظام والمعارضة، ما يغيّب مؤشرات تحقيق هذين العاملين.

“اغتنام الفرصة لن يكون على يد المعارضة بمكوّناتها الحالية، إذ يتطلب التغيير إعادة تشكيل المعارضة بما يكسبها التأييد الشعبي، ويقلب اتجاه الضغط ليصبح من الداخل نحو الخارج”.

الرئيس الأسبق لـ”الائتلاف المعارض” خالد خوجة

ويعتقد خوجة أن الحراك الشعبي الذي شهدته مختلف مناطق شمال غربي سوريا مؤخرًا يعكس ثقل الشارع “الثوري”، ويؤكد أن الفرصة الوحيدة يمكن أن تبدأ من الشارع السوري لا من كيانات المعارضة الموجودة حاليًا.

محاولات لفصل الملفات

رغم أن روسيا وإيران أبرز حليفين للنظام السوري، ويظهران في معظم الملفات المرتبطة بالواقع السوري، اتفق الحريري وخوجة على أن هناك محاولات لفصل الملفات الداخلية لإيران وروسيا عن الملف السوري.

وفي حين يلجأ الغرب إلى سياسة التصعيد والدعم المفتوح والسريع في أوكرانيا، يلجأ إلى الهدنة والتهدئة مع روسيا بما يخص الملف السوري، وهو مؤشر على أن المجتمع الدولي مستمر بمحاولات عزل الملف السوري عن الأوكراني، وفق ما قاله الحريري.

واعتبر الحريري أن الملف السوري مرتبط بشكل أساسي بتراخي العالم والمجتمع الدولي عن دعم السوريين، وهو ما جعل للتدخل الروسي والإيراني أثرًا أكبر على الملف السوري.

ويرى خوجة أن تصريح الإدارة الأمريكية مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا حول استمرار سريان اتفاقية فض الاشتباك في سوريا بين أمريكا وروسيا، ينفي تأثير الحرب الأوكرانية على الملف العسكري السوري من هذا الجانب.

وأضاف خوجة أن ارتهان المعارضة لمسار “سوتشي”، الذي يتجاوز قرارات الأمم المتحدة باختزال الحل في سوريا بتعديل دستوري وانتخابات حسب رؤية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو ما فرض الضغوط على المعارضة بشقيها السياسي والعسكري لا على النظام، وطوّع المعارضة للإرادة الدولية وأبعدها عن حاضنتها الثورية، بحسب ما قاله خوجة.

مقالات متعلقة