شبكة الانترنت، سـراب الحرية

29.png

عنب بلدي – العدد 79 – الأحد 25-8-2013
2
يبدو أنّ ما بني على باطل، سيبقى باطلًا، ولن يمكنه بحال من الأحوال أن ينقلب فجأة إلى حقّ، ويبدو أننا دومًا سنكتشف هذا الباطل، هشاشته، وسرابه، في اللحظات الحالكة والحرجة..
عن شبكة الإنترنت نتحدث هذه المرّة، فما نطلق عليه اليوم اسم الشبكة العنكبوتيّة العالميّة، ليس تطبيقًا للفكرة الحقيقيّة التي وضعت قبل ثلاثين عامًا، بل تمّ تحوير الفكرة، كي تلائم الثقافة الدوليّة المعاصرة، القائمة على مفردات من قبيل، الهيمنة، الاستبداد، الاحتكار، وغيرها.
وهذا ما لا يعرفه الكثيرون للأسف، حتى من المختصين، إذ أن الفكرة الأصلية لشبكة الإنترنت كانت تقول «لو ربطنا أجهزة الكمبيوتر المتناثرة حول أنحاء العالم مع بعضها البعض، بشبكة تشعبيّة، فسنحصل على موارد غير مسبوقة البتّة، وعلى إمكانية وصول واتصال لكمّ هائل من المعلومات، والبيانات المختلفة».
هذه الفكرة الثورية بكل ما للكلمة من معنى لم تُقبل بشكلها الديمقراطيّ هذا، فوفق تلك الصيغة، لا يمكن لأحد التحكم بالشبكة، فكل جهاز كمبيوتر هو مجرد طرف بسيط فيها، لن يكون لوجوده، وحيدًا، تأثيرٌ يذكر، ولن يكون لعدم وجوده ذلك الخطر المعيق.
لكن هذه الديمقراطيّة بالذات، والخروج من عباءة مفهوم (السيد – العبد) هو ما كان مرفوضًا، في عالم تحكمه هذه الثنائية في كل طبقات حياته.

فكيف بُنيت إذًا الشبكة العالميّة؟
تمّ إدخال تعديل بسيط على الفكرة، فبدلًا من اتصال الأجهزة بعضها مع بعض بحريّة مطلقة، ستتصل مئات الملايين من أجهزة الكمبيوتر حول العالم، ببضعة مئات من الكمبيوترات العملاقة، المزودة للخدمة، أو السيرفرات، هذه الأخيرة هي التي ستخلق التشبيك البيني بين الحواسيب، أي إن التواصل سيتم من خلالها، وبها، فقط.
بمعنى آخر لا يزال بإمكان الجهاز (أ) الموجود في سوريا، الاتصال بالجهاز (د) الموجود في أوكرانيا، لكن ليس بشكل مباشرة، وإنما على (أ) الاتصال بالسيرفر (ب)، وهو مزود خدمة التشبيك في سوريا (ما يعرف بمزود خدمة الإنترنت ISP، وفي حالتنا هذه يتمثل بوزارة الاتصالات)، والذي سيتصل بصديقه المزود (جـ) في أوكرانيا، وهذا الأخير سيتصل ب (د)، وهكذا يصل (أ) إلى (د)، لكن من خلال -وفقط من خلال- السيرفرات المُزودة.
وبذلك تم ترويض هذه الأداة الثورية الديمقراطية، لتسكن أيضًا ضمن عباءة ثنائية (العبد – السيد)، فالمجموعة الأولى من الأجهزة (أ، د، وكل مستخدمي الشبكة)، لا يملكون أي شيء، وبدون السيرفر لن يمكنهم التواصل مع بعضهم البعض، بينما تملك المجموعة الثانية (ب، جـ، وكل مزودات الشبكة)، كل شيء حرفيًا.
قد يتساءل البعض، لكن ما الذي سيتغير في هذه الحالة، وما المشكلة في أن نتصل ببعض من خلال المزودات؟
بالتأكيد لا، وقد جربنا في سوريا، خاصة في المناطق الثورية الملتهبة، أو أثناء حدوث المجازر والإبادات الكبيرة، بعض ما سيتغيّر.
فأولًا بات يمكن للحكومات (المالك الحقيقي للسيرفرات) أن تتحكم بالشبكة العالميّة، كأن تحجب بعض المواقع عن مواطنيها، أو تحجب بعض الخدمات (الفيسبوك، واليوتيوب مثلًا)، بل ويمكنها أن تحجب كامل شبكة الإنترنت عن المواطنين، فيما يعرف بقطع الخدمة كليًا، وهذا لا يكلّف بالنهاية إلا الضغط على بضعة أزرار!
الأسوأ ربما – باعتبار أنه الاستراتيجيّة الأكثر اتباعًا من قبل الحكومات – مراقبة الشبكة، بل مراقبة كل «بت» يدخل إلى الدولة، أو يخرج منها، باعتبار أنه لا يمكن لأي كمبيوتر داخل هذه الدولة أن يتصل بأي كمبيوتر خارجها أو العكس، إلا من خلال مزوّد خدمة الإنترنت، ومع تقدّم وسائل المراقبة إلى حدود مخيفة، لم يعد بالإمكان الاستمرار بالبحث عن حلول ترقيعيّة.
الحجب والمراقبة لا يمكن اعتبارهما من ‹سلبيات› الوضع القائم، بل هما أخطر من ذلك بكثير، الإنترنت في هذه الحالة تفقد جزءًا كبيرًا من مضمونها الثوري وصفتها الديمقراطيّة.
أضف إلى الحجب والمراقبة، التكلفة، فعندما يكون هناك كمبيوتر ضخم تتصل به لتتلقى كلّ شيء، فإنك بالتأكيد ستدفع لمن يقدّم لك هذه الخدمة، بينما في الحالة الافتراضيّة، فلا يوجد أجرة تصرف لجهة ما، تخيّل انترنت مجاني لكافة طبقات المجتمع!

هناك مصيبة أخرى! التحكّم في بياناتك الخاصّة، فبحكم أنك لا ترتبط مع الآخرين بشكل مباشر، لذا فإن معلوماتك الشخصيّة، حساباتك على خدمات الشبكة المتنوعة، وغيرها، لا يمكنك تملكها حقيقةً! إنك تنام في بيتك، أما معلوماتك تلك فتنام في إحدى ضواحي أمريكا!
طبعًا الشركات التجاريّة وعهودها في حفظ الخصوصيّة، هو آخر ما يمكنك أن تثق به على شبكة الإنترنت، لا تنسى أنك ضعيف لا تملك شيئًا، وهم الأقوياء الذين يملكون كلّ شيء.
التوجه العالميّ اليوم لدى الشركات يتجه إلى تكريس هذا الوضع القائم، وخدمته، وليس تغييره، وذلك عن طريق ما يعرف اليوم بالحوسبة السحابيّة. وببساطة فهذا المصطلح يعني أن تكون مهمة نظام التشغيل لديك تتمثل في شيء واحد: الوصول إلى شبكة الإنترنت، وعندها يمكنك أن تشغل التطبيقات التي ترغب بها، والتي ستصبح عبارة عن مواقع على الشبكة!
فبدل من أن تركب لديك برنامج مايكروسوفت وورد مثلًا، ستجد هذا البرنامج بات متوافرًا على الإنترنت، وهكذا يصبح جهازك أضعف وأضعف، وغير قادر على القيام بشيء، إلا تقديم طلب للدخول إلى شبكة الإنترنت!
لا يوجد حلول حقيقية قريبة المدى، فلتجاوز مشكلة الحجب والمراقبة، يستخدم البعض الشبكات الافتراضيّة VPN، بينما تصلك بعض البرامج بالإنترنت عن طريق خلق شبكة حواسيب معقدة يصعب تتبعها من قبل مزودات الخدمة (كبرنامج Tor).
أما لتجاوز مشكلة انقطاع خدمة الإنترنت كليًا، فهناك من يستخدم الخطوط الهاتفيّة Dial-up عن طريق أرقام دوليّة معينة للوصول إلى الشبكة، وهناك أيضًا خدمة الإنترنت الفضائيّ التي تصلك بالإنترنت بدون الحاجة لمزود الخدمة في بلدك.
وهذه كلها حلول ترقيعيّة، لا تعالج أصل المشكلة.

الحل الحقيقي، هو حل بعيد المدى، يكمن في خلق شبكة أخرى موازية لشبكة الإنترنت، تكون فيها أجهزة الحاسب متصلة ببعضها البعض بشكل مباشر، وبدون الحاجة إلى مزودات خدمة، وقد بدأت مؤسسة البرمجيات الحرّة FSF بإنتاج العتاد اللازم لهذه الشبكة، فيما يعرف بمشروع صندوق الحريّة.
علينا أن نثقف أنفسنا، وأن ننشر الوعيّ فيما يتعلق بالحريّة والديمقراطيّة التي يجب أن تكون عليها شبكة الإنترنت، كخطوة في المستطاع، على أقلّ تقدير.

تابعنا على تويتر


Top