مذكرات الأرقش

-الأرقش.png

عنب بلدي ــ العدد 121 ـ الأحد 15/6/2014 مذكرات الأرقش

رغم أن هذه اليوميات نشرت ضمن مؤلفات ميخائيل نعيمة، إلا أنها حقيقة مذكرات كتبها شخص آخر، وما كان من ميخائيل إلا أن نشرها بعد عقود باسم صاحبها الحقيقي «الأرقش»، فمن هو الأرقش؟ الأرقش هو خادم في مقهى عربي بنيويورك، لا نعرفه ولا يعرفه ميخائيل نعيمة حتى؛ وقد وصلت اليوميات إلى نعيمة بطريقة غريبة بعد موت الأرقش، فوجد فيها نفسًا يستحق النشر ونشرها. يقول الأرقش في يومياته «أنا إنسان صغير مجهول، لي وجه كرقعة من الخشب نخرها السوس، هكذا أظهر في عيون الناس وهذا كل ما يعرفه الناس عني» ولذا يناديه الناس بالأرقش، وهو الاسم الذي لا يعرف سواه لنفسه! يتساءل الأرقش في يومياته مرارًا «من أنا، من أمي، من أبي»، وما الأسماء في نظره إلا قناع آخر يحتاجه الناس ليدوّنوا تواريخهم ويديروا محاكمهم وحكوماتهم الصغيرة. مذكرات الأرقش هي الحوارات الوحيدة الباقية من إنسان دائم السكوت، حتى أنه يقسم الناس إلى قسمين «الناس قسمان: متكلمون وساكتون» ويعتبر نفسه «قسم الإنسانية الساكت». ويومياته هذه أشبه بخواطر عميقة تأملية، ولا غرابة في ذلك فشخص يمضي حياته بصمت في غرفة حقيرة من مقهى مجهول، كفيل به أن يمضي أيامه تأملًا وتفكرًا وتمحيصًا وبحثًا عن أسرار الحياة. يكتب الأرقش خواطره هذه دون تأريخ أو شهر أو سنة، فقط أيام الأسبوع ربما كدلالة على رتابة أيامه وتشابهها، أو ﻷن التواريخ أسماء أخرى وهو كافر بالأسماء أساسًا. في هذه اليوميات سنجد مواضيع مختلفة متنوعة في كل يوم، عن الناس والبحر والسماء والنجوم والوطن والحب والزواج والحرب والمال والموت والروح، ومواضيع أخرى كثيرة أشبعها الأرقش تأملًا ونظرًا من زوايا قد تكون غريبة عنا بعض الشيء، فالوطن في رأي الأرقش «ليس أكثر من عادة… والناس عبيد عاداتهم، ولذا تراهم يقسمون مناطق صغيرة من الأرض يدعونها أوطانهم». أما الحرب التي أتيح للأرقش معايشتها (الحرب العالمية الأولى) فهو يرى أن شرّها الأكبر «في قتلها الروح قبل الجسد». وللموت في نظره فلسفة أخرى، فمهمته أن يكمل النقص فينا.. ذاك النقص الذي لا يكتمل إلا عندما لا نُميت غيرنا لنحيا نحن. يوميات الأرقش كتاب ذو صبغة تأملية مميزة، يجعلنا نفكر بكل أرقش حولنا، لا نوليه اهتمامًا ويعيش على هامش الحياة، بينما يخفي كما هائلًا من الجمال والإبداع.

تابعنا على تويتر


Top