
في عالم تُقاس فيه الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها تمثل البيانات وقود الاقتصاد الرقمي وأداة الحوكمة الحديثة والمحرك الحقيقي لأي نهضة مستدامة (Canva)

في عالم تُقاس فيه الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها تمثل البيانات وقود الاقتصاد الرقمي وأداة الحوكمة الحديثة والمحرك الحقيقي لأي نهضة مستدامة (Canva)
أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء السورية، الأحد 14 من حزيران، أن 8.8% من الأسر في سوريا تضم طفلًا واحدًا على الأقل يُعاني من أحد أشكال الإعاقة، وذلك استنادًا إلى نتائج مسح الاحتياجات العامة للأسر السورية لعام 2026.
وأظهرت البيانات التفصيلية للمسح الإحصائي أن ضعف السمع وضعف البصر هما أكثر أنواع الإعاقات انتشارًا بين الأطفال، إذ بلغت نسبة انتشار كل منهما 13.7%.
وفيما يتعلّق بمستوى الرعاية الطبية، خلصت النتائج إلى أن 71.7% من الأطفال ذوي الإعاقة تلقوا بالفعل خدمات تأهيلية وصحية متخصصة، في حين لا تزال النسبة المتبقية البالغة 28.3% بحاجة ماسة إلى خدمات الدعم والرعاية الأساسية.
واختتمت الهيئة تقريرها بالتشديد على الأهمية البالغة لتعزيز آليات الكشف المبكر وبرامج التأهيل، إلى جانب ضرورة ضمان وصول الخدمات الشاملة إلى جميع الأطفال دون استثناء لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في المجتمع.
وأظهرت نتائج مسح الاحتياجات العامة للأسر السورية لعام 2026 تباينًا في مؤشر زمن الوصول إلى المرافق الطبية، إذ تمكنت الغالبية العظمى من الأسر (71.9%) من الوصول إلى الخدمات الصحية في مدة لا تتجاوز 30 دقيقة.
في المقابل، كشفت البيانات الإحصائية أن نحو ثلث العائلات تواجه رحلات أطول لتلقي الرعاية، إذ يستغرق وصول 23% من إجمالي الأسر ما بين نصف ساعة وساعة كاملة، في حين تقضي 5% من العائلات ما يزيد على 60 دقيقة للوصول إلى أقرب مرفق صحي.
الاختصاصي في علوم “الويب” وإدارة البيانات محمد توفيق نحلاوي، أوضح في حديث إلى عنب بلدي، أن الأرقام المنشورة لنتائج مسح الاحتياجات العامة للأسر السورية لعام 2026 مؤشر يحمل دلالات عميقة تتجاوز التوصيف الإحصائي إلى ضرورة التدخل الممنهج.
تكشف البيانات، بحسب نحلاوي، تحليلًا دقيقًا لواقع هذه الشريحة. إذ تتصدر الإعاقات السمعية والبصرية الشديدة قائمة الانتشار بنسبة 13.7% لكل منهما، وهو ما يقدم مؤشرًا واضحًا لصنّاع القرار بضرورة تهيئة البيئات التعليمية لتكون أكثر شمولًا واستيعابًا لاحتياجات هؤلاء الأطفال الحركية منها والسمعية.
ورغم أن 71.7% من الأطفال ذوي الإعاقة حصلوا على خدمات تأهيلية وصحية، تبعًا لنتائج التقرير، فإن الفجوة المتبقية (28.3%) تفرض قراءة معمقة لأسبابها.
ولفت نحلاوي إلى أن البيانات تُظهر أن الكلفة المادية تمثل العائق الأكبر (52.6%)، تليها محدودية توفر الخدمات (31.6%)، ثم بُعد المسافة (5.3%).
وتبرز هنا، وفق اختصاصي إدارة البيانات، أهمية توظيف البيانات في بناء خرائط خدمية تفاعلية تربط بين مواقع الخدمات واحتياجات الأسر، بما يسهم في تحسين الوصول وتقليل الكلفة.
كما تشير معطيات المسح، بحسب نحلاوي، إلى أن التحديات نفسها تمتد إلى قطاع التعليم، إذ ترتبط معدلات التسرب بعوامل اقتصادية (27.3%) وجغرافية (5.6%)، الأمر الذي يستدعي تطوير نماذج تعليمية مرنة تدعم استمرارية الأطفال ذوي الإعاقة وتمكّنهم مستقبلًا من الاندماج في سوق العمل لدعم أسرهم.
يعتبر نحلاوي أن القيمة الحقيقية للبيانات تتضح عند ربط نتائج المسح الاجتماعي بمؤشرات الأمن الغذائي. إذ يظهر تقرير الأمن الغذائي الأسري لعام 2025 وجود فجوة واضحة بين الأسر التي تضم أفرادًا من ذوي الإعاقة وتلك التي لا تضم، حيث تنخفض نسبة الأسر الآمنة غذائيًا إلى 10.5% في الحالة الأولى، مقارنة بـ18.6% في الحالة الثانية.
وتعكس هذه الأرقام، تبعًا للاختصاصي، عبئًا اقتصاديًا مضاعفًا، إذ تضطر الأسر لتخصيص جزء كبير من دخلها المحدود لتغطية تكاليف الرعاية الصحية والمستلزمات الخاصة، على حساب الإنفاق الغذائي.
وأردف نحلاوي أن هذا يعزز الحاجة إلى دمج البيانات الصحية والاجتماعية لاستهداف هذه الأسر ضمن برامج الحماية الاجتماعية بشكل أكثر دقة وكفاءة.
تشير بيانات المسح أيضًا إلى أن 66.9% من الأسر تعتمد على المرافق الصحية الحكومية كمصدر رئيسي للخدمة. ومع ارتفاع نسبة الإعاقات السمعية، يصبح غياب وسائل التواصل المناسبة، مثل لغة الإشارة، عائقًا حقيقيًا يؤثر على جودة الخدمة ودقة التشخيص.
وعليه، تبرز الحاجة، وفقًا لنحلاوي، إلى إدماج معايير “الوصول والتواصل” ضمن مؤشرات أداء المؤسسات الخدمية، من خلال تدريب الكوادر على لغة الإشارة ، وتهيئة البنية التحتية الصديقة لذوي الإعاقة الحركية بما يضمن وصول الخدمات بشكل عادل وفعّال لجميع الفئات.
يرى نحلاوي أن هذه المؤشرات تكشف أن البيانات ليست مجرد أرقام، بل أداة توجيه استراتيجية قادرة على رسم ملامح السياسات العامة. فتكامل البيانات يوفّر فهمًا أعمق للتحديات المتشابكة، ويمكّن من توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر حاجة.
ويؤكّد نحلاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أن نشر تقارير المسوح بصيغة رقمية مفتوحة ومتاحة للعموم يشكل خطوة جوهرية في ترسيخ مفهوم إدارة البيانات الحديثة، مبينًا أن هذه الشفافية تحوّل البيانات إلى مورد وطني استراتيجي، يتيح للأكاديميين وصنّاع القرار ومنظمات المجتمع المدني تحليل الواقع بدقة، والمساهمة في بناء سياسات تنموية تضمن حماية الفئات الأكثر ضعفًا وعلى رأسها الأطفال ذوو الإعاقة. ويوجه مسار السياسات نحو مستقبل أكثر عدالة واستدامة.
تنطلق في 27 من حزيران الحالي المرحلة العاشرة من مسح “تقييم الأمن الغذائي الأسري في سوريا لعام 2026″، والذي تنفذه هيئة التخطيط والإحصاء بالتنسيق مع المحافظات، لـ”توفير بيانات دقيقة حول مستويات الأمن الغذائي للأسر السورية”.
هيئة التخطيط والإحصاء السورية أوضحت في إعلان أن العمل الميداني للمسح سيمتد على مدار 35 يومًا، ويهدف إلى بناء قواعد بيانات متكاملة ترصد الخصائص الديموغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية للأسر المستهدفة، بما يضمن تحديد الاحتياجات الفعلية بدقة وتصميم تدخلات إغاثية وتنموية مبنية على أدلة واقعية.
كما دعت “التخطيط والإحصاء” المواطنين في مختلف المحافظات إلى التعاون مع الفرق الميدانية، وتسهيل عملية تعبئة الاستمارات الإحصائية.
وطمأنت “الهيئة” الأسر بأن جميع الباحثين المكلفين بالمسح يحملون بطاقات تعريفية ومهمات رسمية مصدقة صادرة عنها، لإثبات هويتهم وتأمين سلامة الإجراءات.
ولا تعد إعادة الإعمار في القرن الـ21 معركة أسمنت وحديد فحسب، بل أصبحت، في جوهرها، معركة بيانات، ففي عالم تُقاس فيه الدول بقدرتها على إنتاج المعرفة وتوظيفها، تمثل البيانات وقود الاقتصاد الرقمي، وأداة الحوكمة الحديثة، والمحرك الحقيقي لأي نهضة مستدامة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى