
يقع دير مار موسى الحبشي على السفح الشرقي لسلسلة جبال القلمون ويبعد نحو 18 كيلومترًا عن مدينة النبك - 24 أيلول 2025 (سانا)

يقع دير مار موسى الحبشي على السفح الشرقي لسلسلة جبال القلمون ويبعد نحو 18 كيلومترًا عن مدينة النبك - 24 أيلول 2025 (سانا)
عنب بلدي – أمير حقوق
ينتصب دير “مار موسى الحبشي” في أعالي جبال القلمون بريف دمشق، حيث يلامس الصخر زرقة السماء، وحيث لا يسمع سوى صفير الريح وهدوء الطبيعة، وكأنه حارس لذاكرة سوريا الممتدة منذ أكثر من 14 قرنًا.
الوصول إلى الدير ليس رحلة عادية، بل تجربة تبدأ بصعود مئات الدرجات الحجرية، وكأن الزائر يترك ضجيج العالم خلفه، ليقترب شيئًا فشيئًا من مكان اختلط فيه التاريخ بالإيمان، والفن بالحياة، والحوار بالإنسانية.
هذا الدير ليس مجرد بناء أثري، ولا مجرد مقصد ديني، بل هو حكاية أجيال من الرهبان والنسّاك، وحكاية أهالٍ حافظوا عليه، وزوّار حملوا ذكراه معهم إلى مختلف أنحاء العالم.
ومن بين جدرانه القديمة خرجت رسائل تدعو إلى التعايش والمحبة، حتى غدا اسمه معروفًا في الأوساط الثقافية والدينية بوصفه أحد أبرز رموز الحوار في الشرق.
على السفح الشرقي لسلسلة جبال القلمون، على بعد نحو 18 كيلومترًا من مدينة النبك، يقف دير “مار موسى الحبشي” على ارتفاع يزيد على 1300 متر عن سطح البحر.
ومنذ اللحظة الأولى، يدرك الزائر أن اختيار هذا المكان لم يكن مصادفة، فقد اختاره الرهبان الأوائل ليكون بعيدًا عن صخب المدن، قريبًا من السكون الذي يفتح باب التأمل والصلاة.
وتشير الدراسات الأثرية والمخطوطات السريانية إلى أن الحياة الرهبانية في هذا الموقع تعود إلى القرن السادس الميلادي على الأقل، بينما ازدهر الدير خلال العصور الوسطى، ليصبح محطة للرهبان والحجاج والمسافرين القادمين بين دمشق وحمص.
ولا تزال الكنيسة القديمة تحتفظ بجدرانها الحجرية وجدارياتها النادرة التي تعد من أجمل اللوحات المسيحية في الشرق، وقد أعادت أعمال الترميم الحديثة إظهار ألوانها بعد أن بقيت مخفية تحت طبقات من الكلس لقرون طويلة.
لا يصل أحد إلى الدير بالسيارة حتى بابه، فالصعود يتم عبر مئات الدرجات الحجرية التي تتعرج بين الصخور، وهي رحلة يصفها كثير من الزوار بأنها جزء من التجربة الروحية نفسها.
ومن أعلى الدير تمتد البادية السورية أمام الناظر بلا نهاية، بينما تتناثر قرى القلمون في الأسفل، في مشهد يجعل المكان أشبه بشرفة مفتوحة على التاريخ.
يصف أيمن عوض أحد الزوار، رحلته إلى دير “مار موسى الحبشي” بأنها تبدأ بالتحدي قبل أن تتحول إلى حالة من التأمل.
وقال أيمن لعنب بلدي، إن مئات الدرجات الحجرية التي تفصل أسفل الجبل عن الدير لا تبدو مجرد طريق للوصول، بل تجربة تدفع الزائر إلى التمهل والتأمل مع كل خطوة.
وأضاف أن أول ما استوقفه عند بلوغ الدير لم يكن حجارته القديمة أو جدارياته الأثرية، وإنما ذلك الصمت العميق الذي يلف المكان، حتى يشعر الزائر وكأنه ابتعد عن إيقاع الحياة اليومية ودخل زمنًا آخر يحتفظ بذاكرة قرون طويلة.
أول ما استوقفني عند بلوغ الدير لم يكن حجارته القديمة أو جدارياته الأثرية، وإنما ذلك الصمت العميق الذي يلف المكان، حتى يشعر الزائر أنه دخل زمنًا آخر.
أيمن عوض
أحد زوار دير “مار موسى الحبشي”
ظل الدير لسنوات طويلة شبه مهجور، إلى أن وصل إليه الراهب اليسوعي الإيطالي الأب باولو دالوليو، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي.
ولم يكن يتوقع أن تتحول زيارته إلى مشروع حياة، لكنه رأى في المكان كنزًا حضاريًا يستحق أن يعود إليه النبض.
بمشاركة أبناء مدينة النبك والقرى المجاورة، بدأت أعمال الترميم حجرًا بعد حجر، وساعد الأهالي آنذاك في نقل مواد البناء وصيانة الجدران، حتى عاد الدير تدريجيًا إلى الحياة.
ولم يقتصر المشروع على ترميم المباني، بل امتد إلى إحياء رسالة المكان، فأسس الأب باولو مع رفاقه جماعة رهبانية جعلت من الصلاة والعمل والضيافة والحوار أسلوبًا للحياة.
ومع مرور السنوات أصبح الدير يستضيف رجال دين مسلمين ومسيحيين، وباحثين ومتصوفة وطلابًا من بلدان مختلفة، يناقشون قضايا الحوار والتعايش واحترام التنوع، حتى تحول إلى أحد أشهر مراكز الحوار الإسلامي- المسيحي في المنطقة.
لكل حجر في الدير قصة، فهناك رواية القديس مار موسى الحبشي الذي اختار حياة الزهد في جبال القلمون، وهناك قصة الجداريات التي عادت إلى النور بعد قرون من الاختفاء، وهناك أيضًا قصص آلاف الزائرين الذين وجدوا في المكان شيئًا مختلفًا عن أي موقع أثري آخر.
ومن أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ الدير الحديث، اختفاء الأب باولو دالوليو عام 2013، في أثناء وجوده بمدينة الرقة، وهي حادثة لا يزال الغموض يحيط بها، لكنها لم تُلغِ الرسالة التي عمل على ترسيخها، وهي أن الحوار بين البشر يبقى أقوى من الانقسام.
يرى كثير من أبناء مدينة النبك والقرى المحيطة أن الدير جزء من هويتهم المحلية، وليس معلمًا يخص طائفة بعينها.
وقال محمد عينية وهو من أبناء المنطقة، إن أهالي النبك شاركوا في ترميم الدير واستقبال زواره، وإنهم اعتادوا رؤية وفود من مختلف الجنسيات تصعد إليه طوال سنوات.
وأضاف أن العلاقة بين الدير والمجتمع المحلي كانت قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، وأن الزوار كانوا يتوقفون في أسواق النبك ومنازل أهلها قبل متابعة رحلتهم إلى الدير، مما أسهم في تنشيط الحركة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
وبحسب تعبيره، فإن الدير لم يكن يومًا معزولًا عن محيطه الاجتماعي، رغم موقعه المرتفع بين الجبال.
أكثر ما كان يلفت انتباه الضيوف هو المشهد البانورامي المطل على البادية السورية، إضافة إلى حالة الهدوء التي تمنح المكان خصوصية نادرة، وتجعل كثيرًا من الزوار يغادرون وهم يحملون انطباعًا يتجاوز قيمته الأثرية إلى تجربة إنسانية وروحية متكاملة، بحسب محمد.
دير “مار موسى الحبشي” لم يكن يومًا معزولًا عن محيطه الاجتماعي، بل كانت العلاقة بين الدير والمجتمع المحلي بالنبك قائمة على التعاون والاحترام المتبادل.
محمد عينية
من أهالي مدينة النبك
رغم ما مرت به سوريا من ظروف صعبة خلال السنوات الأخيرة، بقي اسم دير “مار موسى الحبشي” حاضرًا في ذاكرة السوريين والمهتمين بالتراث العالمي.
فهو ليس مجرد أثر تاريخي، بل مساحة تلتقي فيها الحضارات، وتتجاور فيها الذاكرة الدينية مع الهوية الوطنية، ويصبح الاختلاف سببًا للحوار لا للخلاف.
ولعل أجمل ما يميز هذا المكان أن الزائر يغادره وهو يحمل معه أكثر من صورة جميلة، يحمل شعورًا بأن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل في الأماكن التي استطاعت أن تحفظ روحها عبر القرون، وأن تبقى مفتوحة لكل من يبحث عن السلام والمعرفة والإنسان.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى