
حماية الصحة النفسية للآباء الجدد تتجاوز مفهوم الوعي الذاتي لتمثل ركيزة أساسية لاستقرار العلاقة الزوجية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

حماية الصحة النفسية للآباء الجدد تتجاوز مفهوم الوعي الذاتي لتمثل ركيزة أساسية لاستقرار العلاقة الزوجية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار تلقائيًا نحو رعاية الأمهات بعد الولادة، يخوض العديد من الآباء الجدد مواجهة صامتة مع أزمة نفسية غائبة عن الوعي المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يتنامى تساؤل جوهري حول مدى إمكانية إصابة الرجل بـ”اكتئاب ما بعد الولادة”، وهو ما حسمته الأبحاث الطبية بتأكيد وجود ما يُعرف بـ”الاكتئاب الأبوي”، مرجعة ذلك إلى جملة من التحولات النفسية، واضطرابات النوم، فضلًا عن الأعباء المالية والاجتماعية المستجدة.
ولم تعد هذه المعاناة مجرد فرضية، إذ كشفت مراجعة علمية نُشرت عام 2024 عن بيانات تفيد بأن هذه الاضطرابات تصيب نحو واحد من كل عشرة آباء.
وعلى الرغم من هذه المؤشرات المقلقة، لا يزال هذا التحدي مدفونًا في دائرة التهميش، نتيجة لغياب التشخيص الطبي الدقيق من جهة، وعزوف الرجال عن طلب الدعم النفسي من جهة أخرى.
في محاولة لتفكيك أبعاد هذه الأزمة الصامتة، عزت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، غياب النقاش العام حول اكتئاب الأب مقارنة باكتئاب الأم إلى ترسخ موروثات مجتمعية، إذ ما زلنا نربط مفهوم الأبوة بالقوة التلقائية، والقدرة المطلقة على التحمل وتوفير الحماية.
وامتدادًا لهذا المنظور، أشارت العرنوس إلى أن التحدي لا يتوقف عند نظرة المجتمع فحسب، بل يمتد إلى داخل بنية الرجل النفسية، إذ قد يشعر الأب نفسه بالذنب لمجرد الاعتراف بأنه متعب نفسيًا في توقيت يُفترض فيه اجتماعيًا أن يكون في قمة سعادته، أو ربما يرى في معاناته الشخصية أمرًا أقل شرعية وأهمية من معاناة الأم التي كابدت مشقة الحمل وآلام الولادة.
وتأسيسًا على ذلك، يتضح أن المشكلة لا تكمن في غياب المعاناة النفسية أو انعدامها، بل في سيادة ثقافة تقليدية تسمح للرجل بالتعبير عن تعبه الجسدي، في حين تحظر عليه تمامًا الاعتراف بهشاشته النفسية.
أما بالنظر إلى المظاهر السريرية لهذا الاضطراب، فيبرز تساؤل حول ما إذا كانت أعراض الاكتئاب تظهر عند الأب بالطريقة النمطية نفسها التي تظهر بها عند الأم.
وفي هذا الصدد، أوضحت الاستشارية أن هذا التطابق لا يحدث دائمًا، ففي الوقت الذي يمكن فيه رصد العوارض التقليدية المشتركة أحيانًا، مثل الحزن وفقدان المتعة واضطرابات النوم والطاقة والشعور بالعجز أو اليأس، فإن بعض الرجال قد يعبّرون عن ضيقهم النفسي بصورة أقل وضوحًا وأكثر تضليلًا للمحيطين بهم.
وتتجلى هذه المظاهر البديلة في سلوكيات كالانسحاب من البيئة الأسرية والإفراط في العمل، بالإضافة إلى صعوبة الارتباط العاطفي بالمولود، أو اللجوء إلى ممارسات “هروبية” متنوعة.
ولفتت العرنوس إلى أن هذا التباين السلوكي يمثل أحد أبرز الأسباب الكامنة وراء صعوبة اكتشاف الاكتئاب، إذ إن أدوات القياس الحالية قد لا تلتقط بصورة كافية بعض الأعراض غير النمطية لدى الرجال، ويُضاف إلى ذلك تباين الحدود والمعايير التشخيصية من مجتمع إلى آخر.
كما تتعدد الأسباب وتتداخل العوامل التي تجعل بعض الآباء أكثر عرضة لهذه المعاناة، إذ أكدت الاستشارية الأسرية أنه لا يمكن حصر الأزمة في سبب واحد، بل تعود إلى منظومة من المؤثرات المتشابكة.
وينسحب ذلك بالدرجة الأولى على وجود تاريخ سابق من مشكلات الصحة النفسية، فضلًا عن اكتئاب الأم، ومستويات التوتر المرتفعة.
وبحسب العرنوس، فإن ضعف الدعم الاجتماعي والخلافات الزوجية والشعور بعدم الكفاءة في ممارسة الدور الأبوي، مصحوبًا بالبطالة والضغوط المالية، تشكل مجتمعة بيئة خصبة لهذه المعاناة.
وتعزيزًا لهذه الرؤية، أظهر تحليل حديث أن التاريخ النفسي المضطرب يمثل أحد أقوى عوامل الخطورة، بالتوازي مع غياب الاستقرار المالي، واضطراب العلاقة الزوجية، إلى جانب إصابة الشريكة بالاكتئاب.
في معرض ردها على سؤال حول امتداد تأثير اكتئاب الأب على علاقته بزوجته وطفله، شددت العرنوس على خطورة هذا المنحى واصفة إياه بـ”النقطة الشديدة الأهمية”.
وأوضحت أن إغفال علاج الاكتئاب من شأنه أن يحد من قدرة الأب على الحضور العاطفي والتفاعل الإيجابي، علاوة على حرمانه من الاستمتاع بأبوته، وينعكس هذا التدهور النفسي سلبًا على محيطه، إذ يعزز التوتر ويدفع بالأب نحو الانسحاب من العلاقة الزوجية.
كما كشفت مراجعة علمية حديثة عن وجود ارتباط وثيق بين الضيق النفسي الذي يكابده الأب خلال الفترة المحيطة بالولادة، وبين تعثر جوانب شتى من نمو الأبناء، لا سيما على الصعد الاجتماعية والانفعالية والمعرفية واللغوية والجسدية.
ومع ذلك، خلصت المراجعة إلى أن إصابة الأب بالاكتئاب لا تعني بالضرورة حتمية نشوء مشكلات لدى الطفل، بل إن هذه المعطيات تأتي لتؤكد أن الصحة النفسية للأب تعد ركيزة أساسية في منظومة الصحة النفسية للأسرة والطفل معًا، مما يستدعي عدم التعامل معها كقضية هامشية.
تبدأ رحلة الدعم المتكامل، بحسب الاستشارية العرنوس، بإعادة صياغة الخطاب الموجه للأب، إذ يتعيّن تغيير السؤال التقليدي: “لماذا أنت متضايق وقد رزقت بطفل؟” إلى سؤال أكثر تفهمًا: “ما الذي أصبح ثقيلًا عليك منذ أن غدوت أبًا؟”.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحة لمنح الرجل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره، بعيدًا عن أحكام السخرية، أو الاتهامات الجاهزة بالضعف.
وتتطلب هذه المرحلة خطوات عملية تتجاوز مجرد الاستماع، وفي مقدمتها إشراك الآباء في برامج التثقيف النفسي المخصصة لمرحلتي ما قبل الولادة وبعدها.
بالتوازي مع ذلك، يجب إيلاء اهتمام جاد بنمط نومهم، ومستويات الضغوط التي يواجهونها، وطبيعة علاقتهم الزوجية، وصولًا إلى إحالتهم لجهات طبية مختصة في حال استمرار الأعراض وتفاقمها.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى