
مزارعون يجمعون رزقهم من حقول الزيتون في إحدى بلدات بانياس بريف طرطوس - 14 تشرين الأول 2025 (محافظة طرطوس)

مزارعون يجمعون رزقهم من حقول الزيتون في إحدى بلدات بانياس بريف طرطوس - 14 تشرين الأول 2025 (محافظة طرطوس)
مع قرب انطلاق موسم قطاف الزيتون في محافظة طرطوس، لا تحضر ملامح التعب والبهجة في الحقول فحسب، بل ترافقها أيضًا ثقافة لغوية وتراثية فريدة تتوارثها الأجيال لإدارة العمل الميداني.
وضمن هذا السياق، يتداول المزارعون مسميات تحكمها تراتبية دقيقة تُعرف محليًا بـ”السلم الوظيفي” لعمّال القطاف، وتتوزع فيها المهام بين أدوار رئيسية أبرزها “النابور” و”اللاقوط”، وفق ما قاله أبو علي (62 عامًا) من قرية بلوزة بريف بانياس لعنب بلدي.
ويوضح الرجل الستيني أن في قمة هذا الهرم الوظيفي يبرز “النابور”، وهو الشخص الأعلى رتبة في “الورشة”، وتوكل إليه المهام الأكثر مشقة وحساسية.
ويتولّى الإشراف على فرش “المادات” (الأقمشة أو الشوادر الضخمة) تحت الأشجار، ويقوم بتنزيل حبات الزيتون من الأغصان العالية مستخدمًا العصا أو ما يُعرف بـ”الجدادة”.
ولا تتوقف صلاحيات “النابور” عند هذا الحد، بل يمتلك “الامتياز الإداري” لتعيين مساعدين له، فضلًا عن مسؤوليته المباشرة في ترتيب الأكياس وتجهيزها لنقلها إلى المعاصر.
أما القوة العاملة الأساسية على الأرض، فيقودها “اللاقوط”، وفقًا لأبو علي، وهو العامل الذي تنحصر مهمته في جمع والتقاط حبات الزيتون المتناثرة على المادات أو بين الأعشاب وتعبئتها في السلال والأكياس، وهو دورٌ غالبًا ما تسيطر عليه السيدات.

مزارعون يجمعون رزقهم من حقول الزيتون في إحدى بلدات بانياس بريف طرطوس – 14 تشرين الأول 2025 (محافظة طرطوس)
ورغم أن هذه المرتبة تأتي أدنى من “النابور” في الهرم الوظيفي، فإن الحقول تشهد أحيانًا “ترقيات” ميدانية، إذ يمكن ترقية اللاقوط النشيط إلى رتبة نابور عند الحاجة وإثبات الجدارة.
وبعد أن تحزم الورشات أمتعتها وتغادر الحقول، يأتي “العافور”. ويمثل دور “المفتش المستقل” الذي يدخل الأراضي بعد انتهاء عملية القطاف الرسمية، ليبحث بين الأغصان المنسية وفي زوايا الأرض عن الحبات المتبقية.
في عملية تراثية واجتماعية متعارف عليها تُسمى “التعفير”، وتُشكل باب رزق إضافي للعديد من العائلات في أرياف طرطوس.
يلفت أبو علي إلى أن أجور العمال تخضع لمتغيرات السوق وتكاليف المعيشة، إذ يتصدر “النابور” القائمة بالأجر الأعلى نظير الجهد البدني والمسؤولية الإدارية، في حين يتقاضى “اللاقوط” أجرًا يوميًا أقل، بما يتناسب مع طبيعة عمله اليدوي.
وتُظهر هذه المسميات والتراتبيات كيف نجح المجتمع المحلي السوري في تحويل موسم قطاف الزيتون من مجرد نشاط زراعي إلى منظومة اجتماعية متكاملة، تحافظ على تنظيم العمل وتضمن مشاركة الجميع بإنصاف.
ومع ذلك، يشكو فلاحو المنطقة من أن الارتفاع المستمر في أجور العمالة، إلى جانب تكاليف النقل وعصر الزيتون، بات يلتهم هامش الربح، مما يضع المزارع والعامل في موازنة صعبة بين تأمين لقمة العيش وتغطية تكاليف الإنتاج.
كشف مدير الزراعة في طرطوس، محمد عدنان أحمد، أن التقديرات الرسمية لإنتاج الزيتون المتوقع في المحافظة خلال الموسم الحالي تصل إلى نحو 127 ألف طن، مشيرًا إلى أن طرطوس تحتل المرتبة الرابعة على مستوى سوريا في هذه الزراعة.
ودعا أحمد، في حديثه لعنب بلدي، المزارعين إلى ضرورة الالتزام بالموعد المحدد للقطاف، الذي ستصدره وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي لكل محافظة على حدة.
كما شدد مدير الزراعة على أهمية اتباع الطرق السليمة في جني المحصول، محذرًا من استخدام “العصا” عند القطاف لحماية الأشجار من الأضرار.
وأكد مدير زراعة طرطوس على أهمية نقل المحصول مباشرةً من الحقول إلى المعاصر، وتجنب تخزينه في المنازل لفترات طويلة، حفاظًا على جودة الزيت ونقائه.
أعلن رئيس اتحاد فلاحي طرطوس، رائد صلاح مصطفى، في حديث إلى عنب بلدي، عن تحديد الأجور الاسترشادية لعمال قطاف الزيتون لموسم 2026 بـ800 ليرة سورية يوميًا لـ”اللاقوط”، و1000 ليرة لـ”النابور”، فيما تراوحت نسبة الضمان بين 25% للأراضي السهلة و50% للأراضي الوعرة.
وأوضح مصطفى أن هذه الأسعار جاءت عقب مشاورات مع رؤساء الروابط والجمعيات الفلاحية في طرطوس، لدراسة الأجور الميدانية وصياغة معادلة توازنية تضمن حقوق العمال وتحمي مصالح المزارعين في آنٍ واحد.
وفي سياق متصل، أشار رئيس الاتحاد إلى أن طرطوس تشهد هذا العام ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على العمالة الزراعية، وهو ما استدعى وضع مؤشرات رقمية واضحة لضبط السوق.
ورغم ذلك، شدد مصطفى على أن هذه الأرقام غير مُلزمة قانونًا، بل هي مؤشرات استرشادية يرجع الحسم فيها للاتفاق الرضائي بين العامل وصاحب الحقل.
وتعقيبًا على آليات التقييم، ذكر مصطفى أنه يصعب فرض تعرفة موحدة تسري على القرى والحقول كافة، نظرًا لتباين التضاريس، إذ تلعب عوامل عدة دورًا حاسمًا في صياغة الأجر النهائي، وفي مقدمتها: وعورة الأرض، وحجم حمل الأشجار، وإنتاجية العامل، وقرب الحقل أو بعده عن المعاصر والطرق التخديمية، والوقت اللازم لإنهاء العمل.
ويرى رئيس اتحاد فلاحي طرطوس في ساعات العمل الفعلية وحجم الجهد المبذول المقياس الأساسي لتحديد التعرفة العادلة، منوّهًا بأن الغاية هي منع استغلال العمال، مع مراعاة طاقة المزارع المادية وظروف العملية الإنتاجية للموسم الحالي.
وتتركز زراعة الزيتون في كامل مناطق طرطوس، وفقًا لأحمد، خاصة من ارتفاع 0-1000 متر عن سطح البحر، إذ بلغت المساحة المزروعة بأشجار الزيتون في المحافظة 75425 هكتارًا.
كما يُقدّر عدد أشجار الزيتون الكلّي في طرطوس، بحسب مدير الزراعة، بـ11,088,941 شجرة، منها 10,764,007 شجرات مثمرة، مجددًا التوقعات بإنتاج جيد لهذا العام.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى