مغارة “بيت الوادي” بطرطوس.. متحف جيولوجي عمره مليون عام

فريق مسارات للمشي والرحالة ينظم رحلة استكشافية إلى مغارة "بيت الوادي" في منطقة الدريكيش بريف محافظة طرطوس - 3 أيار 2024 (مسارات/فيسبوك)

camera iconفريق مسارات للمشي والرحالة ينظم رحلة استكشافية إلى مغارة "بيت الوادي" في منطقة الدريكيش بريف محافظة طرطوس - 3 أيار 2024 (مسارات/فيسبوك)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – شعبان شاميه

لم تكن المتاحف والمدن الأثرية المستودع الوحيد لروائع التاريخ، ففي أعماق جبال الساحل السوري تكمن معالم نحتتها الطبيعة بصمت عبر آلاف السنين، لتتحول إلى أرشيف طبيعي يوثق التعاقب الجيولوجي والحضاري للمنطقة.

وهنا تبرز مغارة “بيت الوادي” بريف محافظة طرطوس كإحدى أبهى هذه الحواضن الطبيعية التي تمزج بين روعة التكوين الجيولوجي والقيمة التاريخية، إذ لا يروي المكان قصة الصخور فحسب، بل يحفظ ملامح من علاقة الإنسان بأرضه واستقراره فيها.

الاختصاصي في التاريخ الاجتماعي الثقافي والعمراني الحديث الدكتور رفعت عثمان، قال إن مغارة “بيت الوادي” تقع في بلدة دوير رسلان بريف منطقة الدريكيش التابع لمحافظة طرطوس، مشيرًا إلى أن طول الجزء المكتشف منها يقدّر بنحو 700 متر.

وأضاف عثمان، في حديث إلى عنب بلدي، أن المغارة تتموضع ضمن منطقة تمتاز بطبيعة جبلية خضراء، وتكثر فيها الينابيع والمجاري المائية.

وأشار إلى أن تداخل المغارة مع الغابات والوديان المحيطة شكّل لوحة بانورامية متكاملة، يختبر فيها الزائر تناغمًا فريدًا بين هدوء الطبيعة الجبلية وعظمة التشكيلات الصخرية الداخلية.

آلاف السنين من النحت الطبيعي

بيّن الدكتور عثمان أن المغارة تشكلت عبر فترات زمنية طويلة تعود إلى آلاف السنين، نتيجة التأثير المستمر للمياه على الصخور الكلسية، إذ عملت الطبيعة ببطء على نحت ممراتها، ودهاليزها، وأشكالها الداخلية المميزة.

وأشار الأكاديمي إلى أن المغارة تحولت مع تعاقب العصور إلى شاهد حي على التغيرات الجيولوجية للأرض، ودليل ملموس على قدرة الطبيعة على تشكيل معالمها الهندسية المذهلة.

تجسد مغارة "بيت الوادي" حكاية تاريخية صاغها الماء والصخر لتمثل جزءًا أصيلًا من هوية طرطوس الطبيعية - 27 أيلول 2022 (مغارة بيت الوادي/فيسبوك)

تجسد مغارة “بيت الوادي” حكاية تاريخية صاغها الماء والصخر لتمثل جزءًا أصيلًا من هوية طرطوس الطبيعية – 27 أيلول 2022 (مغارة بيت الوادي/فيسبوك)

متحف جيولوجي ومختبر لدراسة الكهوف

فيما يتعلق بالأهمية السياحية العلمية والجيولوجية، وصف عثمان المغارة بأنها “متحف طبيعي حي”، إذ تغطي التكوينات الكلسية والصواعد والنوازل الملونة أكثر من 70% من مساحتها الإجمالية.

وقدّر الأكاديمي العمر الجيولوجي للمغارة بين 100 ألف ومليون سنة، مما يجعلها مختبرًا طبيعيًا نادرًا لدراسة تشكل الكهوف.

مستودع أثري وقيمة إنسانية ممتدة

لفت عثمان إلى أن البعثات الاستكشافية عثرت في داخل المغارة على بقايا فخارية مكسورة تعود إلى العصر الكالكوليتي (4500-3400 قبل الميلاد).

وتابع أن الأهمية البيئية والطبيعية للموقع لا تقتصر على تكويناته الصخرية فحسب، بل ترتبط أيضًا بقيمته الإنسانية والتاريخية، إذ تشير الدلائل، كالعثور على هذه الفخاريات وبقايا عظام بشرية متناثرة، إلى أن الإنسان القديم استوطن هذه المغاور واتخذها ملاذًا حيويًا للحماية والاستقرار، مما يمنح المكان بعدًا عميقًا يتجاوز جماله الخارجي ويجعله جاذبًا للمهتمين بعلم الآثار.

بيئة استكشافية تدعم السياحة الريفية

تتميز المغارة بمقومات استثنائية تضعها في مقدمة وجهات سياحة المغامرات، إذ تمتد على مساحة تصل إلى 3000 متر مربع، وبعمق داخلي ممتد لأكثر من 700 متر، مما يمثل بيئة مناسبة لعشاق استكشاف الكهوف والممرات الجوفية (المستغورين).

وأكد عثمان أن مغارة “بيت الوادي” تُمثل سجلًا طبيعيًا مفتوحًا يتيح للباحثين والجيولوجيين فهم التاريخ البيئي للمنطقة وتطورها البنيوي، إذ تقدم دراسة محتوياتها وطميها معلومات ثرية حول نمط حياة الإنسان في الأزمنة الماضية.

ويرى أن الجهود المبذولة للحفاظ على المغارة وحمايتها لا ترتبط بالترويج السياحي فحسب، بل هي مسؤولية لحماية جزء أصيل من الذاكرة الطبيعية والحضارية للمكان.

وتحدث الأكاديمي عن أن تطوير المغارة واستثمارها سيسهم في دعم قطاع السياحة الريفية بمنطقة الدريكيش، وتشجيع الزوار والسيّاح على اكتشاف الحواضن الطبيعية المحلية بدلًا من الاقتصار على المواقع السياحية المعروفة فقط، منبهًا إلى أن حمايتها والحفاظ عليها مسؤولية علمية ووطنية.

تحديات استثمارية وحلول هندسية غائبة

تواجه مغارة “بيت الوادي” عقبات تحد من استثمارها السياحي، رغم ما تمتلكه من قيمة طبيعية وبيئية كبيرة، بحسب ما قاله الدكتور عثمان لعنب بلدي.

ويعتبر نقص التجهيزات البنيوية من أبرز عقبات الاستثمار السياحي، إذ تفتقر المغارة إلى الخدمات والمرافق المؤهلة لاستقبال الزوار، بالإضافة إلى وعورة المسارات الداخلية التي تجعل حركة السياح داخل بعض أجزائها تواجه صعوبة بالغة نتيجة الطبيعة المعقدة، فضلًا عن حاجة المكونات الطبيعية والجيولوجية للموقع إلى أبحاث علمية ودراسات أكثر تفصيلًا لاستكشاف كامل خباياها.

وحذر عثمان من أن التدفقات البشرية والزيارات غير المنظمة للموقع تشكل خطرًا حقيقيًا على سلامتها البيئية، مؤكدًا أن هذه العشوائية قد تتسبب في أضرار جسيمة وتلف مباشر للتكوينات الصخرية الفريدة التي استغرق تشكلها الطبيعي آلاف السنين.

كما تقابل سلامة الزوار واستدامة الموارد المائية في مغارة “بيت الوادي” تحديات مرافقة تتطلب حلولًا هندسية دقيقة، إذ تحتم زيارة المغارة على المرتادين الالتزام بأقصى درجات الحذر نظرًا إلى طبيعتها الجغرافية التي تختلف كليًا عن المواقع السياحية التقليدية، لأن الأرضيات تتميز برطوبة عالية تجعلها زلقة، إضافة إلى وجود ممرات ضيقة ومناطق تنخفض فيها مستويات الإضاءة بشكلٍ حاد مما يهدد السلامة العامة.

وفيما يخص الثروة المائية، نوه عثمان إلى أن المغارة تضم نبع ماء رئيسًا يشكل الشريان الحيوي لتغذية عشرات القرى المحيطة بالمياه العذبة، مبينًا أن الدخول إلى أعماقها يتطلب عبور مياه مرتفعة المنسوب.

واستبعد إمكانية تأهيل الموقع سياحيًا بالكامل دون تنفيذ مشروع عزل مائي وتنظيم هندسي دقيق، بهدف تأمين حركة السياح من جهة، وضمان حماية نبع الشرب من أي تلوث بشري محتمل من جهة أخرى.

رؤية لتأهيل مغارة “بيت الوادي”

طرح الأكاديمي حزمة من المقترحات والرؤى الكفيلة بتحويل مغارة “بيت الوادي” إلى مقصد سياحي وثقافي رائد، مشددًا على ضرورة الموازنة بين الاستثمار والتنمية المستدامة.

ودعا إلى البدء الفوري بإعداد دراسة علمية شاملة لتوثيق القيمة البيئية والتاريخية للمغارة، بالتوازي مع تجهيز مسارات وطرق آمنة لحركة الزوار تضمن سلامتهم دون المساس بالطبيعة البكر للموقع.

وتضمنت مقترحاته إنشاء لوحات تعريفية وإرشادية في أرجاء المغارة تشرح تاريخها وجيولوجية تكوينها، بالإضافة إلى تدريب مرشدين سياحيين متخصصين يتولون مهمة التعريف بأهمية الموقع ومرافقة الوفود.

وفي سياق الحماية البيئية، ركّز عثمان على أهمية إطلاق حملات توعية مستمرة للحفاظ على هذا الإرث الطبيعي، مهيبًا بالزوار ضرورة الالتزام بعدم دخول الأماكن غير المجهزة داخل المغارة، والتوقف عن لمس الصخور أو العبث بالتكوينات الكلسية، لأنها ثروة طبيعية نادرة تشكلت عبر العصور ولا يمكن تعويضها بسهولة في حال تعرضها للتلف.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة