
لقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)

لقطة جوية لمعامل في مدينة حسياء الصناعية بمحافظة حمص - 10 حزيران 2026 (وزارة الاقتصاد والصناعة السورية/فيسبوك)
عنب بلدي – وسيم العدوي
في الوقت الذي تبحث فيه سوريا عن مخارج مستدامة لتنمية الإنتاج المحلي وزيادة الإيرادات، تتجه الأنظار نحو المدن الصناعية الكبرى، وهي عدرا وحسياء والشيخ نجار، بوصفها ساحة الاختبار الميداني الحقيقية لفرص التعافي.
ولم تعد تقتصر تحركات وزارة الاقتصاد والصناعة على معالجة تداعيات الأضرار التي لحقت بهذه المدن خلال سنوات الحرب، بل تجاوزتها نحو إطلاق خطة جديدة ترتكز على توسيع المقاسم، وجذب الاستثمارات المترددة من خارج البلاد وداخلها، وتهيئة بيئة مشجعة تمكّن الصناعيين من العودة إلى الإنتاج.
وتظهر البيانات المتاحة، وفقًا لما قاله الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي، أن المدن الصناعية الثلاث رفعت مساهمتها في الناتج المحلي بين عامي 2024 و2026 بنسبة تتراوح بين 50 و80%، مع تفوق عدرا في الحجم المطلق للنشاط الصناعي، وتفوق الشيخ نجار في معدل النمو النسبي.
ويعكس هذا الانتعاش النسبي دخول عشرات المنشآت الجديدة خطوط الإنتاج، بالتوازي مع تحسن تدريجي في خدمات البنية التحتية، وعودة جزء من الصناعات التقليدية إلى العمل.
ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات الإيجابية تبقى رهينة قدرة السلطات على توفير حلول مستدامة لأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، لضمان تحويل هذه الطفرة من مجرد استجابة مؤقتة إلى محرك دائم للنمو الاقتصادي، بحسب قوشجي.
تكشف بيانات صادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة السورية مؤخرًا عن خريطة توزيع الاستثمارات العربية والأجنبية في بعض المدن الصناعية، حيث يُسجل المستثمرون الأتراك حضورًا لافتًا بنسبة تتجاوز 50% في مدينة الراعي الصناعية، وأكثر من 30% في باب الهوى.
واستعاد المستثمرون الأتراك وجودهم بنسبة تتجاوز 5% في مدينة الشيخ نجار بحلب، وفي المقابل، يستحوذ المستثمرون العرب، ولا سيما من السعودية ومصر والأردن، على نحو 5% من إجمالي الاستثمارات في مدينة عدرا بريف دمشق، وسط تركز واضح للإقبال الاستثماري العام في مثلث المدن الكبرى (عدرا وحسياء والشيخ نجار).
وبالتزامن مع هذا الإقبال، تتجه الوزارة نحو توسيع الرقعة الجغرافية للمدن الثلاث لمواكبة الطلب المتزايد إذ تخطط لـ:
شهدت المدن الصناعية في حسياء وعدرا والشيخ نجار، بين عامي 2024 و2026، تحولات ملموسة، يمكن رصدها من خلال:
ورغم أن المدن الثلاث تخضع لإدارة مركزية واحدة، قال الخبير قوشجي، في حديثه لعنب بلدي، إن بيئاتها التشغيلية تختلف جذريًا:
قال الدكتور قوشجي، إن المدن الصناعية تتشارك في مجموعة من العوائق التي ترفع التكلفة التشغيلية وتحد من القدرة التنافسية، وتتمثل في:
وتجعل هذه العوامل، وفقًا للخبير السوري، القدرة التنافسية للمنتجات السورية متفاوتة، فهي قوية في بعض القطاعات (النسيج والصناعات الهندسية)، وضعيفة في أخرى تتطلب طاقة مستقرة أو مواد أولية مستوردة.
قدمت الحكومة السورية خلال 2025–2026 مجموعة من التسهيلات، أبرزها:
وحسّنت هذه الإجراءات جاذبية الاستثمار المحلي، ورفعت عدد المنشآت المكتتبة، لكنها لا تزال غير كافية لجذب المستثمر الأجنبي بسبب القيود المالية وغياب الضمانات القانونية وصعوبة تحويل الأرباح للخارج، بحسب المحلل المصرفي.
ورغم وجود مقاسم غير مستغلة، فإن مشاريع التوسعة تحمل جدوى اقتصادية في المدن الثلاث، لأنها تستهدف:
ويرى الدكتور قوشجي أن نجاح التوسعة مشروط بربطها بخطط تشغيل فعلية، وليس مجرد توسع عمراني أو زيادة في المساحات.
تملك المدن الصناعية فرصًا حقيقية في قطاعات محددة، يتحدث عنها الخبير الاقتصادي السوري، لعنب بلدي، وهي:
وبهدف تحويل المدن الصناعية إلى محركات نمو حقيقية، يتقدم الدكتور إبراهيم قوشجي بمجموعة مقترحات، مؤكدًا أنه لا بد من تبني حزمة إصلاحات متكاملة هي:
يرى الخبير الاقتصادي وعضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق سابقًا محمد الحلاق، أن الخطط الحالية لتوسيع المدن والمناطق الصناعية تعد “خطوة صحية وتلبي متطلبات المرحلة”، مشيرًا إلى أن دخول استثمارات وصناعات جديدة يجعل الطاقة الاستيعابية القائمة غير كافية لامتصاص الزخم الإنتاجي المرتقب.
واعتبر الحلاق، في حديث إلى عنب بلدي، أن تنظيم الحركة الصناعية يتطلب الفصل بين نوعين من النشاط الاستثماري:
وشدد الحلاق على ضرورة تجاوز فكرة مجرد “توسيع” المدن الصناعية الحالية والتفكير بإنشاء مدن صناعية جديدة في مختلف المحافظات، محذرًا من مبدأ “وضع البيض كله في سلة واحدة” وتجميع الصناعات الاستراتيجية في بؤرة جغرافية واحدة.
ويحمي تجنب المباشرة في التجميع المكثف القطاع الإنتاجي من ظروف “القوة القاهرة”، كالأزمات والكوارث الطبيعية، أو السيول التي قد تؤدي في حال حدوثها إلى شلل قطاعات صناعية كاملة دفعة واحدة.
ودعا الخبير الحلاق إلى مراعاة المزايا النسبية لكل محافظة عند التخطيط للمدن الجديدة عبر عدة عوامل:
وبين طموحات التوسع الجغرافي وواقع البنية التحتية المنهكة، تقف المدن الصناعية السورية عند مفترق طرق حاسم، إذ لم يعد الاستثمار في المقاسم كافيًا ما لم يرافقه توزيع عادل للتنمية، وتأمين لشرايين الإنتاج من طاقة ولوجستيات، ولا تعني حماية مستقبل الصناعة الوطنية فقط توسيع الأسوار القائمة، بل ضمان ألا توضع كل موارد البلاد في “سلة واحدة”، لتبقى المحركات تدور مهما اختلفت الظروف.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى