محلميو الجزيرة السورية.. مجتمع عربي أصيل تتنازع نسبه روايتان

يحتفظ المحلميون بذاكرة تاريخية وتراث لغوي وشعبي يعكس مسارات هجرتهم وتفاعلهم مع الثقافات المحلية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconيحتفظ المحلميون بذاكرة تاريخية وتراث لغوي وشعبي يعكس مسارات هجرتهم وتفاعلهم مع الثقافات المحلية (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – محمد ديب بظت

يحمل المحلميون في الجزيرة السورية حكاية اجتماعية وثقافية تشكلت هويتها عبر عقود من التفاعل مع محيطها بالمنطقة.

هذه الجماعة، التي ترتبط جذورها الجغرافية والتاريخية بمناطق جنوب شرقي تركيا، تمثل نموذجًا للتداخل المجتمعي ضمن نسيج الجزيرة المتعدد.

وتتناقل العائلات ذاكرة الهجرة والاستقرار، كما أنها حافظت على أكلات وأسماء محلية وتراث لغوي تأثر بمحيطه على مدار قرن من الزمن.

حكاية المحلميين تمتد إلى البيئة الاجتماعية التي جمعت مكونات متعددة من الكرد والمسيحيين والعرب، لتتحول الذاكرة الشفوية والممارسات اليومية إلى جزء من الهوية المحلية العامة للمنطقة.

روايات النسب

لا تتفق الروايات المتداولة بين المحلميين على سردية واحدة تحدد نسبهم التاريخي، إذ تتنازع الذاكرة الشفهية للعائلات سرديتان رئيستان، تربط الأولى نسب الجماعة بـ”محلم بن ذهل بن شيبان” (المنسوب إلى بني شيبان من قبيلة ربيعة)، في حين ترد روايات أخرى النسب إلى الصحابي أسامة بن زيد.

عزيز محمد، من أبناء المجتمع المحلمي في القامشلي ويعيش في منطقة الآشورية، أوضح خلال حديث لعنب بلدي طبيعة هذا التعدد.

وقال إن بعض العائلات تتبنى رواية بني شيبان، بينما تعتمد عائلات أخرى الرواية الثانية، مشيرًا إلى أن المحلميين يعدون أنفسهم تاريخيًا من القبائل العربية التي استقرت في منطقة ماردين وميديات قبل انتقال قسم منهم لاحقًا إلى الجزيرة السورية.

تعدد هذه الآراء شكّل مادة لبحوث أكاديمية سعت لتفكيك الهوية التاريخية للجماعة، ومن أبرزها دراسة الباحث التركي عبد الباقي بوزكورت، المنشورة عام 2020 بعنوان “الجذور التاريخية للعرب المحلميين في تركيا بوصفها موضوعًا للجدل”.

استند بوزكورت في بحثه إلى الوثائق والأرشيف الرسمي ليرجح ارتباط الجماعة بجذور عربية تنتمي لبني شيبان، مناقشًا في الوقت ذاته التفسيرات الشعبية لاسم “المحلميين” وربطه التاريخي بالجد الأول أو بالدلالات العددية واللغوية في تراث المنطقة.

وتُستخدم في السياق المحلي أسماء “المحلميون” و”المحلمية”، إلى جانب مصطلحي “الماردلي” و”الماردليون”، ورغم التداخل بينها، فإن التسمية الأخيرة ترتبط بمدينة ماردين التركية كحيز جغرافي أوسع يضم جماعات متعددة وثقافات مشتركة، في حين تشير تسمية المحلمي إلى الجماعة المعروفة عائليًا وعشائريًا بهذا الاسم.

مسارات الاستقرار

ترتبط الذاكرة العائلية للمحلميين في الجزيرة السورية بحركة هجرة متعاقبة من مناطق ماردين وميديات وطور عبدين إلى الأراضي السورية خلال أواخر العهد العثماني وما تلاه.

هذا الانتقال تكثف خلال النصف الأول من القرن الـ20، وتحديدًا في العقود التي تلت عام 1925، نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها المناطق الحدودية آنذاك.

ورغم أن مسارات الهجرة لم تكن متطابقة لدى جميع العائلات، فإن الاستقرار في سوريا أنتج خريطة ديموغرافية واضحة، حيث تركزت عائلات محلمية عديدة في الحسكة وأحياء من مدينة القامشلي، لا سيما في حي قدور بك، فيما توزعت عائلات أخرى على بلديات وقرى في ريف المدينة الشرقي والغربي.

ومع مرور الوقت، تحولت المدينة إلى مركز أساسي لنمو هذه الأسر، التي أصبحت ترتبط بشكل وثيق بالعمل والجوار والعيش المشترك مع سكان المنطقة.

عزيز محمد وصف عادات المحلميين بأنها تداخلت مع عادات جيرانهم من الكرد والمسيحيين، بفعل التأثر المتبادل والعيش المشترك في المدينة.

الجنسية والهجرة إلى الخارج

لم تنفصل التحولات الاجتماعية للعائلات المحلمية عن التغيرات السياسية والإدارية التي شهدتها محافظة الحسكة خلال القرن الـ20.

وارتبط استقرارهم القانوني بالسياسات والإحصاءات الرسمية، ففي الوقت الذي حصلت فيه شريحة واسعة منهم على وثائق الجنسية السورية في مراحل مختلفة، ومنها عهد الوحدة مع مصر عام 1958، واجهت عائلات أخرى تعقيدات إدارية وقانونية مرت بها سوريا مطلع ستينيات القرن الماضي.

هذه الظروف القانونية، بالتوازي مع التحديات الاقتصادية المحلية، دفعت بالعديد من العائلات المحلمية إلى مغادرة الجزيرة السورية خلال العقود الماضية باتجاه لبنان بحثًا عن الاستقرار والعمل.

المطبخ.. أسماء تحفظها موائد الأعياد

في الحياة المنزلية، تظهر الذاكرة الثقافية للمحلميين من خلال أطعمة تقليدية تتوارث العائلات أسماءها وطرق إعدادها في المناسبات.

وتبرز حلوى “الكليجة” كعنصر رئيس في موائد الأعياد، إلى جانب أكلة “الكتيلي” (وهي كبيبات مسلوقة ومحشوة تشتهر بها المنطقة)، بالإضافة إلى أطباق تراثية أخرى تُعرف محليًا بـ “البلّوع” و”أبرخ تومة” (ورق العنب المطبوخ بالثوم).

وتمثل هذه الأسماء جزءًا من المفردات الشفهية المنتقلة بين الأجيال، وشاهدًا على تجمع الأسر حول الموائد التراثية.

ولا تنفصل هذه الأطباق عن المطبخ الأوسع للجزيرة السورية، الذي تشكّل عبر التأثر المتبادل والتبادل الثقافي بين الجماعات المختلفة.

اللهجة وأثر التداخل اللغوي

تعد اللهجة العربية المحلمية (أو ما يُعرف بالماردلية في بعض السياقات المحلية) أحد أبرز ملامح الهوية الشفوية للجماعة.

وقد خصص اللغوي الألماني هانس يورغن زاسه دراسة أكاديمية صدرت عام 1971 لتحليل هذه اللهجة في محافظة ماردين، حيث ركز على بنيتها اللغوية وخصائصها الصوتية والمعجمية باعتبارها نمطًا فريدًا للعربية “الأناتولية” التي نمت في بيئة متعددة اللغات، متأثرة بقرون من الاحتكاك اليومي مع الكردية والسريانية والتركية.

هذا التراث اللغوي حظي بمتابعة أبحاث لاحقة رصدت الحكايات الشعبية والأدب الشفهي، ومنها بحث الباحث دافود أورهان المنشور عام 2014، حول الحكايات وخصائص العربية المحلية في ميديات، والذي ركز على دور الروايات الشفوية في نقل تجربة المجتمع وتاريخه عبر الأجيال.

غير أن الواقع الحالي داخل القامشلي فرض بدوره تحولات، فقد واجهت اللهجة تغييرات طبيعية فرضها الاستقرار والتعليم والاختلاط اليومي، فأصبحت لغة الأجيال الشابة أكثر ميلًا نحو اللهجة السورية العامة والدارجة، مبتعدة تدريجيًا عن بعض الخصائص الفونولوجية (علم الأصوات الوظيفي) والمعجمية القديمة التي احتفظ بها كبار السن أو التي وثقتها الدراسات في القرى الأصلية.

ذاكرة التراث الشعبي

يمتد الاهتمام التوثيقي بالمحلميين إلى الفنون الشعبية والأغاني والرقصات الفلكلورية التي رافقت المناسبات الاجتماعية.

وفي دراسة نشرها الباحث دنهو بار مراد-أوزمان عام 2023، تناول التقاليد والطقوس المشتركة في منطقة “مَحلمويتو” التاريخية، مستندًا إلى أغانٍ وروايات شفهية توارثتها العائلات.

ووثقت هذه الأغاني موضوعات إنسانية واجتماعية ترتبط بالحب والزواج والغياب والخدمة العسكرية، مشيرة إلى رقصة شعبية حماسية تُعرف بـ”رقص الأكتاف”، وتؤدى في صفوف أو دوائر على إيقاع الطبل.

وتكمل هذه الأعمال ما تناولته دراسة الباحث زينل دمير المنشورة عام 2019، تحت عنوان “الفولكلور والإثنوغرافيا لدى المحلميين في منطقة ميديات”، والتي تعمقت في عادات الجماعة، ومعتقداتها الشعبية، وطقوسها المرتبطة بمحطات الحياة الرئيسة كالولادة والزواج والوفاة.

وتكشف حكاية المحلميين في الجزيرة السورية عن جماعة تحمل روايات متعددة حول أصولها وتاريخها، وتستعيد مسارات هجرة واستقرار ارتبطت بمناطق ماردين وميديات وصولًا إلى الجزيرة السورية.

ومع تبدل الظروف السياسية والقانونية على مر العقود، تشكلت تفاصيل حياتهم اليومية من علاقات الجوار والعيش المشترك، لتتحول هويتهم الثقافية الفريدة إلى رافد إضافي يغني التعددية الثقافية والاجتماعية في سوريا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة