تمديد الدوام الرسمي في سوريا يفتح نقاش الجدوى والتكلفة

دورة تدريبية للموظفين في وزارة التنمية الإدارية _ 1 تشرين الثاني 2026 ( وزارة التنمية الإدارية/فيسبوك)

camera iconدورة تدريبية للموظفين في وزارة التنمية الإدارية _ 1 تشرين الثاني 2026 ( وزارة التنمية الإدارية/فيسبوك)

tag icon ع ع ع

أثار قرار تمديد ساعات الدوام الرسمي للعاملين في الجهات العامة الإدارية في سوريا حتى الرابعة عصرًا، بدلًا من الثالثة، نقاشًا حول أبعاده القانونية والاقتصادية، بين آراء ترى فيه خطوة لتسريع إنجاز معاملات المواطنين وتحسين الخدمات، وأخرى تحذر من زيادة النفقات التشغيلية على الخزينة، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

ويبدأ الدوام الرسمي حاليًا عند الساعة الثامنة صباحًا وينتهي عند الثالثة بعد الظهر، على أن يُمدد اعتبارًا من الشهر المقبل بموجب القرار الجديد ساعة إضافية.

ونصّت مسودة قانون الخدمة المدنية، في الباب الخامس الخاص بـ”أوقات الدوام والإجازات والعطل الرسمية”، على أن تُحدد ساعات العمل الفعلية للجهات العامة بما لا يقل عن ست ساعات ولا يزيد على ثماني ساعات يوميًا.

وحول مدى صحة إصدار قرار يخص العاملين في الدولة قبل صدور قانون الخدمة المدنية المرتقب، الذي أُعلن عنه قبل عام ليكون بديلًا من قانون العاملين الأساسي رقم “50” لعام 2004، توجهت عنب بلدي بالسؤال إلى المكتب الإعلامي في وزارة التنمية الإدارية، الذي اكتفى بالإشارة إلى أن توضيح ذلك هو من اختصاص الجهة التي أصدرته، وليس الوزارة.

بين القانون والمصلحة العامة

المحامي علي العباس قال لعنب بلدي إن القرار أُصدر استنادًا إلى قانون العاملين الأساسي رقم “50” لعام 2004، وليس إلى قانون الخدمة المدنية الجديد المنتظر.

وأشار العباس إلى أن القرار كان يحتاج بالأصل إلى مرسوم يُحال لاحقًا إلى مجلس الشعب لإقراره، مستشهدًا بقرار سابق باعتماد يوم السبت عطلة رسمية، إلا أن القرار الحالي صدر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وهي جهة مخولة باتخاذ العديد من الإجراءات، وفق المحامي.

وأضاف العباس أن “المصلحة العامة ربما اقتضت إصدار مثل هذا القرار، بناء على وجهة نظر أصحاب القرار”.

ويتفق المحامي سلطان درويش مع هذا الطرح، إذ يرى في حديث إلى عنب بلدي أن مثل هذه القرارات يمكن اتخاذها عندما تقتضيها المصلحة العامة.

كما يهدف هذا القرار إلى تيسير شؤون المواطنين وتسريع إنجاز معاملاتهم، وإن كان سيشكل ضغطًا إضافيًا على الموظفين، ولا سيما في ظل ما وصفه درويش بالترهل الإداري في بعض الجهات العامة.

واعتبر أن زيادة ساعات الدوام قد تسهم في الحد من تراكم المعاملات وإنجازها بوتيرة أسرع.

وأضاف درويش أن “الدولة مقبلة على مشاريع اقتصادية كبيرة، وهناك حاجة ماسة لتسيير المعاملات بأقصر وقت ممكن”.

تساؤل بشأن الجدوى الاقتصادية

في المقابل، تبرز تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية للقرار، وما إذا كانت مقتضيات المصلحة العامة تستدعي بالفعل زيادة ساعات الدوام على هذا النحو.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، في حديث إلى عنب بلدي، إن الساعة الإضافية ستزيد من النفقات التشغيلية، سواء من خلال استهلاك الكهرباء أو المياه أو خدمات الاتصالات، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يعني زيادة المصاريف الحكومية في وقت يمكن فيه الاستغناء عن هذه النفقات.

وأضاف أن هذه الأعباء ستكون أكثر وضوحًا مع الإقبال على فصل الشتاء، وما يرافقه من ارتفاع استهلاك الكهرباء لأغراض التدفئة.

ويرى حبزة أن القرار يكون مبررًا اقتصاديًا إذا كانت الجهة التي زادت ساعات عملها تحقق قيمة أو إنتاجية تفوق التكلفة الإضافية التي ستتحملها الحكومة، أما في غير ذلك فيُعد هدرًا للموارد.

كما استغرب شمول القرار جميع الموظفين الإداريين، معتبرًا أن ست ساعات عمل تكفي لمعظم القطاعات الإدارية.

ويرى الخبير الاقتصادي أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في تقليص ساعات العمل إلى ست ساعات في القطاعات التي لا تتطلب دوامًا طويلًا، بما يخفف النفقات التشغيلية على الدولة.

وأشار حبزة إلى أن الرواتب الحالية لا تزال متدنية مقارنة بالظروف المعيشية الراهنة، ما يدفع غالبية الموظفين إلى البحث عن عمل إضافي في القطاع الخاص بعد انتهاء دوامهم الرسمي لتأمين احتياجات أسرهم.

أما بالنسبة للقطاعات التي تتطلب ساعات دوام أطول، فيرى حبزة أنه كان من الممكن منح العاملين فيها ساعات عمل إضافية مقابل مردود مالي إضافي.

ويطرح حبزة مثالًا على هذه القطاعات كالمحافظات وأقسام إصدار التراخيص، وإدارة الهجرة والجوازات وغيرها من القطاعات الإنتاجية والخدمية.

قرار تمديد ساعات العمل

نص القرار رقم “1616” الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية على تحديد ساعات الدوام الرسمي اليومي الفعلي في الجهات العامة ذات الطابع الإداري من الساعة الثامنة صباحًا وحتى الساعة الرابعة عصرًا، ويبدأ تطبيقه اعتبارًا من 1 من كانون الأول المقبل.

واستثنى القرار الجهات العامة ذات الطابع الاقتصادي، والجهات التي تتطلب طبيعة عملها استمرار العمل، بحيث تُحدد مواعيد بدء العمل وانتهائه وتنظيم الورديات فيها وفق أنظمتها الخاصة، وبما ينسجم مع مقتضيات المصلحة العامة.

“الرئاسة” توضح

بدورها، أوضحت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، اليوم الأربعاء، أن الجهات الإدارية المشمولة بقرار زيادة ساعات الدوام تضم المؤسسات والوحدات العامة التي تتولى المهام الحكومية والتنظيمية والخدمية.

في حين تشمل الجهات الاقتصادية المؤسسات والمنشآت العامة التي تمارس أنشطة إنتاجية أو تجارية أو تشغيلية وفق أنظمتها الخاصة .وفق ما ورد في التصريح.

وأضافت الأمانة العامة  أن تحديد الصفة القانونية لأي جهة يتم بالاستناد إلى صك إحداثها والتشريعات الناظمة لعملها.

رفع الإنتاجية وتسريع المعاملات

بحسب الأمانة العامة، فإن إضافة ساعة إلى الدوام الرسمي تهدف إلى إتاحة وقت أكبر لإنجاز الأعمال وتحسين التنسيق بين الجهات، بالتوازي مع تطوير أساليب الإدارة وتبسيط الإجراءات.

وأكدت أن تمديد الدوام لا يعني بالضرورة وجود ضعف في أداء الموظفين، مشيرة إلى أن مستوى الإنجاز يتأثر أيضًا بحجم المهام والإجراءات الإدارية والموارد المتاحة.

وتوقعت الأمانة العامة أن تسهم الساعة الإضافية في زيادة القدرة على إنجاز المعاملات وتقليص فترات الانتظار.

وأكدت أن على كل جهة قياس أثر القرار من خلال مؤشرات أداء، تشمل عدد المعاملات المنجزة يوميًا، ومتوسط زمن إنجاز المعاملة، وحجم الملفات المتراكمة قبل تطبيق القرار وبعده.

مرونة للجهات الاقتصادية

وفيما يتعلق بالجهات الاقتصادية، أوضحت الأمانة العامة أنها تحتاج إلى مرونة تشغيلية تتناسب مع طبيعة الإنتاج والخدمات، ولا سيما في المنشآت التي تعمل بنظام الورديات أو على مدار الساعة.

وبيّنت أن هذه المرونة تشمل تنظيم أوقات بدء العمل وانتهائه وتوزيع الورديات، فيما تبقى ساعات العمل الفردية خاضعة للتشريعات والأنظمة الخاصة بكل مؤسسة.

وحملت الأمانة العامة إدارات الجهات الاقتصادية مسؤولية تحقيق أفضل إنتاجية ممكنة مع الحفاظ على الحقوق القانونية للعاملين.

حقوق العاملين والحالات الخاصة

وأكدت الأمانة العامة أن حقوق العاملين المتعلقة بالأجور والتعويضات والاستراحات والإجازات تبقى خاضعة للتشريعات النافذة، مشيرة إلى ضرورة توضيح الوضع القانوني للساعة الإضافية وآلية احتسابها، وإصدار تعليمات مالية وإدارية واضحة بهذا الشأن.

كما شددت على ضرورة مراعاة الظروف الإنسانية والمعيشية للعاملين، ولا سيما أصحاب الحالات الصحية الخاصة، والقائمين على رعاية الأطفال أو كبار السن، والأشخاص الذين يواجهون صعوبات استثنائية في التنقل، عبر ترتيبات إدارية مرنة توازن بين متطلبات العمل وظروف الموظفين.

مراجعة القرار بعد ثلاثة أشهر

ولفتت الأمانة العامة إلى أن زيادة ساعات التشغيل ترتب أعباء إضافية تتعلق بالطاقة والتدفئة والنقل والخدمات المساندة، ما يستوجب مقارنة هذه الكلف بالعائد المتوقع من رفع الإنتاجية وتسريع إنجاز الأعمال.

وأضافت أن تقييم القرار يمثل جزءًا أساسيًا من الإدارة القائمة على النتائج، مقترحة إجراء مراجعة أولية بعد ثلاثة أشهر من تطبيقه بالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية والجهات المعنية، لقياس أثره على الإنتاجية وجودة الخدمات وكلف التشغيل ورضا الموظفين والمواطنين.

واختتمت بالتأكيد على مسؤولية كل مؤسسة في تقديم بيانات واضحة عن أدائها ونتائج تطبيق القرار، بما يتيح تقييم مدى تحقيق الأهداف المعلنة وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة