ع ع ع

نور الدين رمضان | علي درويش | زينب مصري

في 16 من آب الماضي، سافر علي برفقة خاله المصاب بفيروس “كورونا المستجد” (كوفيد-19) من الرقة إلى دمشق، بهدف إدخاله إلى المستشفى، بعدما صارت حالته حرجة وبحاجة ماسة إلى الأوكسجين.

لكنه لم يستطع إدخال خاله إلى مستشفيات دمشق، فالجواب دائمًا: لا توجد أسرّة، بحسب ما قاله علي لعنب بلدي، رغم أن المستشفيات السورية لا تستقبل إلا الحالات الحرجة من المصابين بالفيروس.

اتصل علي بعدها بصديقه الذي يعمل طبيبًا في مستشفى “الأسد الجامعي”، وطلب منه تأمين قبول في المستشفى مع جهاز تنفس صناعي، مقابل مبلغ مادي لطرف ثالث يؤمّن احتياجات المرض، ليتمكن بهذه الطريقة من إدخاله المستشفى، حيث تعافى بعد أيام في قسم العناية المشددة.

هذه القصة وغيرها من القصص المتداولة عن فساد في الإجراءات المتبعة لمواجهة الفيروس، تفتح باب التساؤل عن مدى تعمق الفساد في ملف يحظى بأولوية الحكومات في دول العالم، وتأثيره في الاستجابة وتقديم المساندة للمتضررين من الجائحة، وهو ما تحاول عنب بلدي الإجابة عنه في هذا التحقيق، بمقابلة مصابين بالفيروس وأطباء على رأس عملهم وخبراء محايدين.

واضطر معدّو التحقيق إلى تجهيل أسماء الأطباء الذين تواصلوا معهم، وهم على الصفوف الأولى لمواجهة فيروس “كورونا”، حفاظًا على سلامتهم.

سوق مزدحم مليء بالرشى

علي، القادم من الرقة برفقة خاله، لم يذكر قيمة المبلغ الذي دفعه مقابل الحصول على “منفسة” في مستشفى “الأسد الجامعي”، لكن هذه الحالة طرحت تساؤلات بشأن قدرة البنى التحتية في سوريا على خدمة العشرات أو ربما المئات من الأرقام المعلنة للمصابين بفيروس “كورونا”.

وقال طبيب لعنب بلدي يعمل في مستشفيي “المواساة” و”الأسد الجامعي” بدمشق، ردًا على هذه الحالة، إن المستشفيات وأماكن العزل امتلأت في سوريا سريعًا، حتى قبل الإعلان عن ألف إصابة مسجلة، ما زاد الطلب على “المنافس” التي يحتاج إليها مرضى “كورونا” في مرحلة متقدمة من الإصابة.

وأضاف الطبيب أن “المنفسة” تكلف نحو 450 ألف ليرة سورية لليوم الواحد في المستشفيات الخاصة، التي لا تستقبل مرضى “كورونا”، ما جعل الحل الوحيد لذوي المرضى هو خيار البحث عن طرق ملتوية للحصول على سرير في المستشفى، الذي يستغل بعض العاملين فيه الحاجة لتقديم “المنفسة” بمقابل مادي.

وأوضح الطبيب أن هناك بعض الأسرّة و”المنافس” الموجودة في بعض المستشفيات الحكومية لا يُعلَن عنها ويشاهدها فارغة، وتترك إذا احتاجها مقربون من مدير المستشفى، أو من المسؤولين الصحيين عمومًا، بحسب قوله.

وعن الخدمات التي تقدمها المستشفيات للمراجعين المصابين بــــ”كورونا”، أكد الطبيب أن هناك وصفة مشتركة معلّقة على الحائط في مستشفى “المواساة” يطلَب من المراجع تصويرها وشراؤها من الصيدلية تحتوي على بعض المضادات الحيوية ومقويات المناعة، التي سببت زيادة الطلب عليها ارتفاع سعرها أيضًا، قبل أن تعود المستشفى لإزالتها بعد تداول صورها على وسائل التواصل الاجتماعي.

مجموعة من الممرضين في مشفى المواساة بدمشق يرتدون القناع الواقي من الفيروسات- آب 2020 (صفحة المشفى في فيس بوك)

فحوص “كورونا”.. فرصة رزق!

فرضت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري إجراء اختبار “PCR” الخاص بتشخيص فيروس “كورونا”، في 22 من تموز الماضي، على الراغبين بالسفر من سوريا عبر مطار “بيروت”، بتكلفة تبلغ 100 دولار للاختبار الواحد، وخصصت عدة مراكز حكومية للحصول عليها، قبل أن يدفعها ازدحام المراكز العامة إلى الإعلان عن مراكز فحص خاصة.

هذا الإجراء تسبب بطوابير أمام مراكز إجراء الاختبار، رغم تخصيص وزارة الصحة رقمًا هاتفيًا (خط ساخن رقمه 195) لحجز موعد فحص، لكن هذا الرقم كان خارج الخدمة، وتسبب بموقف محرج لطبيب في وزارة الصحة على الهواء مباشرة عبر “الفضائية السورية“، إذ حاولت المقدمة الاتصال به لكن دون رد، بعد حديث واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن عدم فاعلية هذا الرقم، وتداول صور وتسجيلات مصوّرة لتجمعات لا تراعي المسافة الاجتماعية الموصى بها للوقاية من الفيروس أمام مراكز إجراء الفحوصات.

رحلة إلى الساحل السوري

بين اشتراط إجراء الفحص لمغادرة سوريا، والازدحام على مراكز الفحص وتأخير الحصول على دور لإجرائه، صار الراغبون بالسفر يبحثون عن طرق أسرع للحصول على تقرير يثبت عدم إصابتهم بالفيروس، تفاديًا للتأخير والازدحام.

تتبعت عنب بلدي طرق الحصول على فحص “PCR”، ووصلت إلى أحد مسهلي الحصول على النتيجة (سمسار تتحفظ عنب بلدي على ذكر اسمه) مقابل مبلغ مادي.

وخلال مكالمة هاتفية، مسجلة عبر الإنترنت مع عنب بلدي، شرح مسهّل الخدمة طريقة الحصول على تقرير نتيجة “كورونا” في اليوم ذاته، إذ يقول إن سيارة خاصة تقل من يرغب بإجراء الفحص من المحافظات السورية إلى اللاذقية لإجراء فحص سريع والحصول في اليوم ذاته على النتيجة، التي يمكن لصاحبها السفر إذا كانت سلبية، علمًا أن إجراء الفحص بطريقة نظامية يحتاج إلى حجز دور مدته أسبوع إلى عشرة أيام، مع صعوبات حجز الموعد رسميًا، وفي حال إجراء الفحص تحتاج نتيجة الفحص من يوم إلى يومين للصدور.

يدفع من يرغب بإجراء الفحص، بحسب مسهّل الخدمة، 300 ألف ليرة سورية (150 دولارًا أمريكيًا) إضافة إلى 126 ألف ليرة إلى المصرف، كرسم مقابل إجراء الفحص.

طلبت عنب بلدي من مسهّل الخدمة التواصل مع أحد المستفيدين من خدماته بإجراء الفحص، فتوصلت إلى أب يعمل في تركيا اكتفى بتعريف نفسه بـ”أبو أحمد”، وقال إنه أجرى فحوصات لزوجته وطفلته في سوريا، عبر نفس السمسار.

وأقلت سيارة خاصة (من طرف السمسار) عائلة “أبو أحمد” من مدينة النبك بريف دمشق إلى اللاذقية، ليجري الفحص ويحصل على النتيجة خلال ساعات، وأرسل “أبو أحمد” الفحص لعنب بلدي، وهو صادر عن “مركز التدخل المبكر باللاذقية”، بتاريخ 2 من أيلول الحالي، وقال إنه لم يستغرق سوى ساعات.

وردًا على سؤال عنب بلدي عن سبب عدم استخراج فحص وفق الطريقة التي تخصصها وزارة الصحة، قال “أبو أحمد” إنه حاول الاتصال لأكثر من أسبوعين بالرقم المخصص للحجز، لكن لم يتمكن من حجز موعد، فالرقم دائمًا مشغول.

أطباء ضالعون.. الوزارة تؤكد

“أبو دانيال” مقيم في دمشق، أكد لعنب بلدي أنه حاول حجز موعد عبر الاتصال بالرقم المخصص من وزارة الصحة، لكن لم يحصل على رد.

بعد ذلك توصل “أبو دانيال” إلى طالب في كلية الطب بجامعة “دمشق”، يؤمّن موعدًا لإجراء الفحص عبر الهاتف مقابل مئة ألف ليرة سورية، إضافة إلى تكلفة إجراء الفحص التي تُدفع في البنك وقيمتها 100 دولار أمريكي.

هذه القصص تتوافق مع تأكيد من وزارة الصحة السورية، إذ تحدثت، في 18 من آب الماضي، عن ضلوع أشخاص، بينهم عاملون في وزارة الصحة، باستغلال مواطنين وابتزازهم ماديًا مقابل إجراء اختبار “PCR”.

لكن الوزارة لم توضح طبيعة هذا الاستغلال، كما أن هذا التصريح لم يمنع من استمرار الاستغلال الذي يردّه مستفيدون إلى صعوبة الإجراءات الحكومية.

صورة نتيجة فحص كورونا أجراها شخص بعد دفع مبلغ مادي

إجراءات وقاية ضعيفة..

أطباء يبيعون مناوباتهم لزملاء مستعدين للمخاطرة

خلال محادثة مع طبيب (تتحفظ عنب بلدي على ذكر اسمه) في مستشفى “المواساة”، بعد تداول قائمة لـ60 طبيبًا توفوا بفيروس “كورونا”، قال الطبيب إنه يمتنع عن التوجه إلى المستشفى ببيع مناوباته لطبيب آخر، ليبقى في المنزل، ويتجنب الاحتكاك واحتمال التعرض للعدوى وسط إجراءات لا توفر الحماية للكوادر الطبية.

وأوضح الطبيب أنه باع الساعات التي يجب أن يناوب بها في المستشفى لطبيب آخر عبر وسيط من الأصدقاء، مقابل عشرة آلاف ليرة سورية يعطيها لزميله عن كل يوم.

إثر ذلك تتبعت عنب بلدي هذه القصة للتأكد من كونها حالة فردية أم منتشرة في المستشفيات السورية، وذكر طبيب يعمل في مستشفيي “الأسد الجامعي” و”المواساة”، أن جميع مستشفيات دمشق العامة، وخاصة مستشفيي “المواساة” و”الأسد الجامعي”، فيها بيع للمناوبات، لكن ذلك يجري بين من يعرفون أنفسهم جيدًا أو مع طرف ثالث يثق به الطرفان.

أما عن السعر فيبدأ من خمسة آلاف ليرة سورية باليوم، ولكل مكان مناوبة سعر خاص، فمثلًا يختلف سعر المناوبة في قسم الإسعاف وفي مراكز العزل الصحي عن الأقسام الأخرى.

وأضاف الطبيب، الذي أُصيب بالفيروس أيضًا، أن بيع المناوبات موجود سابقًا، لكن في المناسبات والحالات الطارئة، ولا سيما عند طلاب المحافظات الأخرى، مشيرًا إلى زيادة طلب الإجازات الشهرية غير المدفوعة عند بعض الأطباء الكبار.

وأكد أن سبب بيع المناوبات وطلب الإجازات الطويلة هو التخوف من الإصابة بــــ”كورونا”، وسط ضعف تجهيزات الوقاية في المستشفيات الحكومية، مدللًا على ذلك بأن سترة الوقاية التي يرتديها الطبيب معلّقة في غرفة الأطباء يتناوب على لبسها الأطباء المناوبون، وهذا ما يدفع بعضهم لشراء لباس واقٍ من جيبه الخاص.

تتفق الشهادتان السابقتان مع تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش“، أصدرته في 2 من أيلول الحالي، جاء فيه أن “الحكومة السورية لا توفر الحماية لعمال القطاع الصحي والعاملين في الخطوط الأمامية، لمواجهة فيروس كورونا”.

وجاء تقرير المنظمة بعد تداول قوائم بوفاة أطباء في سوريا بسبب فيروس “كورونا” وصل عددهم إلى نحو 80 طبيبًا، بحسب ما رصدته عنب بلدي عبر الصفحات الطبية وأخبار النعي التي تُنشر في مواقع التواصل.

وعلى الرغم من تأمين منظمة الصحة العالمية 4.4 مليون عنصر من المعدّات الشخصية الوقائية، بما فيها كمامات طبية وتنفسية، وقفازات، وألبسة واقية، وأغطية للأحذية، ومعقّمات لليدين، وثق تقرير “هيومين رايتس ووتش” تجاوز المستشفيات في مناطق سيطرة النظام السوري قدرتها الاستيعابية، ونقص المعدات الوقائية، والإمكانية المحدودة لاستخدام أسطوانات الأوكسجين، واقتصار إمكانية توفيرها مع الرعاية الطبية الأساسية للأشخاص القادرين على تحمل تكلفتها المادية فقط.

ودعت “هيومن رايتس ووتش” منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات المكلفة بالعمل في المجال الصحي، إلى الإصرار على حكومة النظام من أجل توسيع قدرات الفحص، والإبلاغ الشفاف والدقيق عن أعداد الإصابات بفيروس “كورونا”، والتوزيع المنصف للمعدات الشخصية الوقائية الكافية على عمال القطاع الصحي في البلاد، بما فيها المناطق الريفية، والتصريح علنًا بالتزامها بزيادة قدرات إجراء الفحوصات في مختلف أنحاء سوريا، بما في ذلك المناطق التي هي خارج سيطرتها وفي الأرياف، واتخاذ خطوات ملموسة لتسهيل تطوير مراكز إجراء الفحوصات تكون متاحة للاستخدام بشكل متساوٍ.

أرقام غير حقيقية ثم اعتراف متأخر

قدّر موقع “Syria-in-Context“وجود 85 ألف إصابة بالفيروس في دمشق فقط، مستندًا في استنتاجاته إلى صفحات الوفيات المنشورة على الإنترنت من 29 من تموز حتى 1 من آب الماضيين، وصور الأقمار الصناعية للمقابر، ومقابلات مع أطباء، واستكمال البيانات بالاستقراء بناء على نموذج أنشأته جامعة “إمبريال كولاج لندن” حول انتقال الفيروس.

وجاء هذا التقدير بعد انتقادات واسعة وتشكيك بالأرقام الرسمية المعلَنة من قبل وزارة الصحة، التي بلغت 3041 إصابة حتى تاريخ 5 من أيلول الحالي.

التقديرات عن حجم الإصابات رجحها خبراء سوريون في دمشق أيضًا، إذ توقع عميد كلية الطب البشري في جامعة “دمشق”، محمد نبوغ العوا، وجود نحو 150 ألف إصابة بـ”كورونا” في دمشق وريفها فقط، بحسب ما نشرته صفحة “سماعة حكيم الإعلامية” (الطبية)، في 25 من آب الماضي.

وقال مدير صحة السويداء، الطبيب نزار مهنا، عبر حسابه في “فيس بوك” في 13 من آب الماضي، موجهًا حديثه لأهالي السويداء، إنه عند قراءتهم أو سماعهم عن الأعداد اليومية للإصابات، المقدرة بالعشرات في السويداء، نتيجة المسحات الإيجابية، بالإضافة إلى الوفيات اليومية، فهذا يعني أن “الأعداد الحقيقية الموجودة هي أضعاف المسجلة”.

وأضاف، “إننا في قلب العاصفة الوبائية التي لم تصل إلى الذروة بعد”.

وانتقدت الباحثة السورية في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، سارة كيالي، غياب الشفافية عن أعداد الإصابات المعلَنة، في حين تتراكم أخبار نعي الأطباء وأعضاء الطاقم التمريضي “المتصدين لفيروس كورونا”.

وبحسب ما رصدته عنب بلدي، كانت إعلانات وزارة الصحة تؤكد أن الأرقام المعلنة هي التي تعبر عن معدل الإصابات الحقيقي في سوريا، قبل أن تتراجع وتكتفي باستخدام مصطلح “الإصابات المسجلة” في إعلاناتها اللاحقة لهذه التقديرات وظهور مؤشرات على تزايد حالات الإصابة.

وأضاف ازدياد أعداد الإصابة بالفيروس ضغطًا على النظام الصحي الهش في سوريا، وسط تردد العديد من الأهالي في طلب الرعاية الصحية بالمرافق الطبية، ما يؤدي إلى مضاعفات أكثر خطورة، حسب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، راميش راجاسينغهام، في 27 من آب الماضي.

ولا تزال قدرات اختبار الكشف عن الفيروس منخفضة للغاية، لذلك يمكن أن تمر حالات على القطاع الطبي دون أن يلاحظها أحد، والأرقام المعلن عنها لا تمثل إلا نسبة منخفضة من عدد الحالات، حسب راجاسينغهام، الذي حذر من أن إغلاق المرافق الصحية، ونقص العاملين في المجال الصحي، “يعرضان أي استجابة للخطر بشكل كبير”.

وبحسب مدير الطوارئ الطبية في إقليم شرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، الطبيب ريتشارد برينان، فإن “معدلات الإصابة عالميًا بالفيروس بين الأطقم الطبية تتراوح بين 10 و15% من إجمالي الإصابات”.

من دون شفافية..

تحديات لا يعلم النظام السوري كيفية حلها

يطرح تقرير “هيومن رايتس ووتش” تساؤلات حول آلية عمل المنظمات الطبية والإغاثية في سوريا، وأثر التنسيق معها على أداء حكومة النظام السوري في مواجهة الجائحة.

الباحثة في الشأن السوري بمنظمة “هيومن رايتش ووتش”، سارة كيالي، قالت لعنب بلدي، إن هناك مشاكل كبيرة في آلية الحكومة السورية لمواجهة جائحة فيروس “كورونا”.

وأول مشكلة تحدثت عنها كيالي، هي غياب الدقة بالأرقام الرسمية الخاصة بعدد المصابين المؤكدين بالفيروس، بالمقارنة مع الأرقام المتداولة بين الأطباء والممرضين العاملين بالمراكز الطبية والمستشفيات ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري.

ولا تجد كيالي أي مبرر لعدم توافق تلك الأرقام المنتشرة بين الأطباء مع الأرقام الرسمية الصادرة عن النظام السوري، التي يمكن أن تؤثر على حجم المساعدات وبرامج الإغاثة الأممية داخل سوريا.

ولا توجد أي بروتوكولات خاصة للتصدي لفيروس “كورونا” في المناطق الريفية البعيدة عن المدن الكبيرة الخاضعة لسيطرة النظام، بحسب كيالي، مع عدم تطبيق الإجراءات الاحترازية التي من شأنها تقليل انتشار المرض، ومن ضمنها الالتزام بارتداء الكمامة الطبية.

ويأتي عدم الوضوح بالأرقام الرسمية المعلَنة لعدد المصابين بالجائحة بالتزامن مع وجود تعاون بين وزارة الصحة التابعة لحكومة النظام وعدد من المنظمات الأممية والدولية وعدد من المنظمات غير الحكومية الأخرى، التي تواجه التضييق من حكومة النظام على عملها المتمثل في مراقبة مدى فاعلية آلية الحد من انتشار “كورونا”، وفق ما قالته كيالي.

ومن صور التضييق الذي مارسته حكومة النظام على تلك المنظمات، وفق ما تحدثت به كيالي، عدم الموافقة على المشاريع المقترحة من المنظمات الأممية، واحتكار المعلومات المتعلقة بأرقام المصابين من قبل السلطات السورية، وعدم إطلاع المنظمات الأممية عليها، إذ يجب على النظام أن يصرح علنًا عن أي تحدٍ تعاني منه كوادره الطبية للسيطرة على انتشار المرض.

ويكمن تهاون المنظمات الأممية بتعاملها مع النظام، بحسب ما رجحته كيالي، بخوف هذه المنظمات من تزايد المضايقات التي يمكن أن تتعرض لها من قبل النظام السوري، بالإضافة إلى الخوف من إيقاف برامجها الإغاثية وإخراجها من سوريا.

وبحسب كيالي، “توجد تحديات لمواجهة المرض في سوريا لا يعلم بها الشعب، ولا تعلم الحكومة السورية كيفية حلها أو الأدوات التي تحتاج إليها لتخطي ذلك”.

ويترتب على الغموض الذي يعيشه الوضع الصحي السوري في ظل انتشار الجائحة الجديدة، عدم تقديم أي تقارير دورية من وزارة الصحة لحكومة النظام إلى أي منظمة دولية، أو أي مؤشرات تدل على الشفافية في آلية توزيع المعدات الوقائية الطبية الشخصية، وفق كيالي، التي أضافت أن هناك تحديًا من قبل المنظمات بشأن توصيل هذه المعدات الوقائية بشكل منصف إلى المراكز الصحية الواقعة في المناطق الريفية.

أطباء في مشفى ابن النفيس بدمشق 23 من آب 2020 (سماعة حكيم)

كيف يؤثر “فساد كورونا” على الاقتصاد السوري؟

تصنف “منظمة الشفافية الدولية” سوريا في المرتبة 178 برصيد 13 نقطة، في قائمة التقرير السنوي لمؤشرات “مدركات الفساد” الذي تصدره، والذي يرصد حالتي الشفافية والفساد في 180 دولة حول العالم.

الفساد يزيد القطاع الطبي سوءًا

القطاع الصحي في جميع الدول هو قطاع مستهلك، والدولة تنفق عليه مبالغ كبيرة، حسب حديث الخبير الاقتصادي والدكتور في الاقتصاد عبد الحكيم المصري (وهو وزير الاقتصاد في حكومة “الإنقاذ” حاليًا) لعنب بلدي.

وبما أن “الفساد والإفساد” موجود في سوريا بالأصل، فإن نسبة كبيرة من الموارد لمعالجة مصابي “كورونا” ومنع انتشاره ستصرف لجيوب المتنفذين في الحكومة، الذين سيحاولون استغلال الجائحة.

ويلاحظ ذلك، حسب المصري، بطرق الفحص ومعالجة الناس والطرق الوقائية غير الصحيحة، كإجراء دفع 100 دولار لقاء فحص “PCR”، وهذه الموارد ليست كبيرة بالنسبة لدولة، إلا أنها تفتح بابًا من أبواب الفساد والرشى.

وبلغت موازنة عام 2020 في سوريا أربعة آلاف مليار ليرة سورية، بعجز 1400 مليار ليرة، ولقطاع الصحة نسبة محددة قدرها 226 مليار ليرة، وخصص النظام خلال انتشار الفيروس 100 مليار ليرة لمواجهة “كورونا”، وهي لا تكفي ثمن كمامات للناس، فكيف بالمستشفيات والأسرّة وأجهزة الفحص والأدوية، بحسب المصري.

ولا يؤمّن النظام المستلزمات الأساسية، وفي بعض المحافظات كدرعا جنوبي سوريا، جمع الأهالي تبرعات لشراء المستلزمات الأساسية وتأهيل مستشفيات، وسط غياب دور حكومي فعال.

الاقتصاد السوري في حده الأدنى

تعمل عجلة الاقتصاد السوري عند الحد الأدنى، فهو محاصَر بشكل كبير، لذلك فإن تأثيرات انتشار الفيروس وإجراءات منع الانتشار لن تكون كبيرة، حسب حديث الباحث الاقتصادي خالد تركاوي لعنب بلدي.

وسينعكس التأثير الأكبر من انتشار الفيروس وعمليات الحجر على العاملين في سوريا، الذين يعتمد معظمهم على المياومة، ولا يستطيعون المقاومة كثيرًا بسبب عدم وجود مدخرات لديهم.

وبحسب تركاوي، فإن هم النظام الرئيس إعطاء فكرة أن هناك دولة ومؤسسات تقدم خدمات، ولكن الوضع غير ذلك، فأجزاء من القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية متوقفة، والناس لم يعد لديهم القدرة على العلاج.

ومع تفشي الفيروس سيزداد إغلاق المصانع والمحلات التجارية، ومع انخفاض عدد الموظفين المداومين في القطاعات إلى الحد الأدنى سيؤثر ذلك على قطاع النقل، حسب الخبير الاقتصادي عبد الحكيم المصري.

ولا توجد أرقام رسمية لنتائج “كورونا” على الاقتصاد السوري، بينما تتحدث تقديرات عن خسارة بعض القطاعات، وأهمها قطاع الصناعة والتجارة والنقل بسبب توقف الحركة بشكل كامل داخل المدن والأرياف أو بين المحافظات، إلى جانب قطاع السياحة بسبب توقف الزائرين وخاصة من إيران والعراق إلى الأماكن المقدسة، وهو من القطاعات المهمة للحكومة لأنه مصدر دخل للقطع الأجنبي إلى سوريا، حسب حديث سابق للباحث الاقتصادي مناف قومان لعنب بلدي.

وقدّر رئيس قسم المصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “دمشق”، علي كنعان، خسائر الاقتصاد بألف مليار ليرة سورية شهريًا، أي بما يزيد على 33.3 مليار ليرة يوميًا، بحسب ما نقل عنه موقع “الوطن أونلاين“، إلى جانب تقديره الخسائر الاقتصادية، خلال شهري آذار ونيسان الماضيين، بحدود ألفي مليار ليرة سورية.

وقال الباحث الاقتصادي في مركز “عمران للدراسات” محمد العبد الله لعنب بلدي، إنه مع تفاقم الوضع المعيشي للنسبة العظمى من السكان بسبب هذه الجائحة، يجد النظام نفسه اليوم عالقًا بين خيارين صعبين، فإما أن يبقي على الوضع الراهن من ناحية التخفيف ما أمكن من إجراءات الإغلاق، وإما العودة إلى إجراءات الإغلاق التي اتخذها سابقًا للتصدي للجائحة، والتي حدت إلى حد ما من معدلات الانتشار.

وقد تمثل إجراءات الإغلاق حال إقرارها مجددًا، بعد تجربتها في آذار ونيسان الماضيين، سيفًا ذا حدين بالنسبة للنظام، من جهة عدم قدرته على تحمل التبعات الاقتصادية للإغلاق بسبب الوضع الاقتصادي المأزوم الذي يعانيه، ومن جهة عدم قدرته على احتواء تفشي الفيروس في حال انتشاره بأعداد كبيرة، وما سيتبع ذلك من احتمالية تدخل منظمة الصحة العالمية تحت إشراف دولي للوصول الكامل إلى البيانات والمعلومات ذات الصلة بشأن التفشي لمكافحة انتشار الفيروس، وهو السيناريو الذي يحاول النظام تفاديه ما أمكنه ذلك.

ويعيش 83% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، بعيدين عن تأثيرات “كورونا”، الذي زاد رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ويبلغ متوسط الرواتب في سوريا 92.93 دولار (ما يعادل 120 ألف ليرة تقريبًا)، بحسب موقع “Numbeo” المتخصص بحساب تكلفة العيش، ويشمل هذا المتوسط القطاع الخاص والعام.

مواطن في مدينة دمشق – تموز 2020 (عدسة شاب دمشقي)

English version of the article

مقالات متعلقة