ع ع ع

مأمون البستاني | ديانا رحيمة | أمل رنتيسي

حالة من التخبط والارتباك السياسي والعسكري تعيشها “الإدارة الذاتية” وأذرعها السياسية والعسكرية، في كل مرة تخرج بها تركيا لتهدد بشن حملة عسكرية على مناطق سيطرة “الإدارة” في شمالي سوريا.

في هذه المرحلة، جاء التهديد التركي بشن عملية عسكرية لإنشاء “منطقة آمنة” بعمق 30 كيلومترًا على طول الحدود السورية- التركية، بالتوازي مع ضغط سياسي أفرزه حصول أنقرة على مكتسبات من موافقتها على انضمام السويد وفنلندا لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بموجب مذكر تفاهم ثلاثية، مقابل وقف دعم هاتين الدولتين لأحزاب وقوى كردية تنشط في أوروبا وسوريا.

وتتمثّل حالة التخبط في “الإدارة الذاتية” بتأثيرات الضغط السياسي والعسكري التركي عليها، الأمر الذي يفقدها دعمًا خارجيًا كانت تحصل عليه من دول أوروبية، وكذلك دفعها لبناء تحالفات مع النظام السوري، ما سيسفر عن فقدانها السيطرة على مناطق نفوذ.

تستعرض عنب بلدي في هذا الملف، تأثيرات الضغط التركي على “الإدارة الذاتية” من الناحية السياسية والعسكرية، وتناقش مع باحثين عسكريين وسياسيين واجتماعيين تأثير ذلك على خيارات “الإدارة”، وعلى تخوف السكان من حالة عدم “الاستقرار” في المنطقة.

الدعم الخارجي لـ”الإدارة” تراجع

تواصل تركيا الضغط على “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، من خلال التهديد المستمر بشن عملية عسكرية، وكذلك متابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الثلاثية التي وقعتها مع السويد وفنلندا على هامش قمة “الناتو” في العاصمة الإسبانية مدريد، أواخر حزيران الماضي.

وكانت تركيا وافقت على انضمام السويد وفنلندا إلى “الناتو” بموجب المذكرة، مقابل أن توقف الدولتان دعم حزب “العمال الكردستاني” (PKK) وذراعه في سوريا “وحدات حماية الشعب” الكردية (YPG) التي تشكّل العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي بدورها تشكّل الجناح العسكري لـ”الإدارة الذاتية”.

مجموعة من مقاتلي “قسد” في الحسكة شمالي شرقي سوريا (رويترز)

مكاسب سياسية تركية

“الإدارة الذاتية” انتقدت توقيع المذكرة، واعتبرت أن حكومتي السويد وفنلندا تراجعتا عن قيمهما الديمقراطية، وكانت وسائل إعلام “الإدارة” احتفت قبل ذلك بأيام بزيارة وفد بلجيكي إلى مناطق شمال شرقي سوريا.

ونقل الموقع الرسمي لـ”الإدارة الذاتية”، في 25 من حزيران الماضي، عن رئيس الوفد، المبعوث البلجيكي الخاص لسوريا والسفير في لبنان، هوبير كورمان، قوله، إن بلاده “ستسعى جاهدة للاعتراف بـ(الإدارة الذاتية) ومشروعها الديمقراطي، ودعمها أمنيًا واقتصاديًا لتحقيق الأمن والأمان في سوريا عامة وشمال شرقي سوريا خاصة”.

وفي 30 من حزيران الماضي، انتقد حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، في بيان، ما وصفه بـ”مساومات ومقايضات بعيدة عن المعايير الديمقراطية ومعاهدات حقوق الإنسان، التي تتبجح بها أوروبا ومنها السويد وفنلندا”.

الصحفي السوري فراس علاوي، قال لعنب بلدي، إن التحرك التركي السياسي، والضغط عبر التهديد بشن عملية عسكرية في الشمال السوري، أكبر من العملية العسكرية بحد ذاتها، مشيرًا إلى أن تركيا تحاول الاستفادة من المتغيرات الدولية والتنافس الروسي- الأمريكي، ومحاولة كلا الطرفين جذب تركيا إلى طرفه في المنطقة، وسط تراجع الدور الروسي، من أجل فرض أمر واقع سياسي تستفيد منه مستقبلًا.

ويرى علاوي أن “ما حصلت عليه تركيا سياسيًا أكبر من العملية العسكرية المحتملة، إذا طُبّق ما تم الإعلان عنه في مذكرة التفاهم، خاصة إذا التزمت الدولتان الاسكندنافيتان بما تم الاتفاق عليه من وقف للدعم وتسليم مطلوبين”.

وأوضح أن هذه “الفائدة السياسية لتركيا ستحكم العلاقات التركية- الأوروبية مستقبلًا، حيث ستركّز أنقرة على عدم دعم أوروبا للأحزاب الانفصالية الكردية”، وبالتالي تعد هذه خسارة سياسية لـ”لإدارة الذاتية”، لأن هناك دولًا أوروبية تدعم سياسيًا، وحتى على الأرض، أحزابًا منضوية تحت مظلة “الإدارة”.

وكان الباحث في الشأن الكردي بدر ملا رشيد، قال لعنب بلدي في وقت سابق، إنه يمكن حصر الآثار المباشرة لتوقيع المذكرة، “بالتضييق على حزب (العمال الكردستاني) والأحزاب الرديفة له من ناحية الدعاية والتحشيد الإعلامي والاقتصادي في السويد وفنلندا، كما أن من الممكن أن تقوم الدولتان بتسليم بعض الشخصيات لتركيا، خاصة ممن يحملون الجنسية التركية”.

وأشار ملا رشيد إلى أنه “من الممكن أن تخسر (الإدارة الذاتية) بعض الميزات الدبلوماسية التي كانت تحصل عليها شخصيات ومنظمات من (الإدارة) هناك، بالأخص إذا لم تفصل بين نشاطاتها ونشاطات حزب (العمال)”.

الأثر السياسي أكبر

خلال السنوات الماضية، سعت “الإدارة الذاتية” للحصول على اعتراف دولي، عبر فتح ممثليات لها في دول غربية عدة، إلا أن الضغط التركي سياسيًا وعسكريًا تسبب بتراجع الدعم الخارجي لـ”الإدارة”، وخسارة مناطق نفوذ على الأرض.

الصحفي فراس علاوي، اعتبر أن مذكرة التفاهم الثلاثية لا تشكّل أي خسارة على الأرض لـ”الإدارة الذاتية” وجناحها العسكري “قسد”، لأن فنلندا والسويد أساسًا غير موجودتين على الأرض.

وتخضع المناطق الواقعة تحت سيطرة “قسد” لتوازنات ما بين الولايات المتحدة وروسيا، لذلك يعد اتفاق “الناتو” اتفاقًا سياسيًا أكثر من كونه ذا قيمة معنوية على الأرض، وبالتالي فهو غير مؤثر بشكل مباشر على العملية العسكرية، بحسب ما قاله علاوي.

وأشار علاوي إلى أن “التأثير الناجم عن التوافق التركي- الأوروبي على (الإدارة الذاتية) و(قسد) هو تأثير سياسي أكثر من كونه تأثيرًا على الأرض، وبالمقابل هناك دفع معنوي للحكومة التركية بخصوص العملية العسكرية المحتملة، لكن هذه العملية تحتاج أيضًا إلى تفاهمات مع الروس والأمريكيين الذين حتى اللحظة لم يعطوا الضوء الأخضر لهذه العملية”.

تخوّف تركي من الخسائر

وفقًا لما ذكره علاوي، فإن “تأخر بدء العملية العسكرية يفقدها جودتها ويقلّل من أهدافها”، مشيرًا إلى أنه “بات شبه مؤكد أن العملية لن تبدأ قبل زيارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى المنطقة، إلا في حال ذهب الأتراك بعيدًا في تحدي الإدارة الأمريكية، وبدؤوا العملية قبل وصوله إلى منطقة الشرق الأوسط منتصف الشهر الحالي”.

ولفت علاوي إلى أن الجميع يتنظر الزيارة الأمريكية، وما سينتج عنها من اتفاق مع الدول العربية وإسرائيل بما يخص المحور المعادي لإيران، أو فرض الشروط الأمريكية على هذا المحور، وبالتالي إعادة التوازن للعلاقات مع إيران في المنطقة.

وبحسب علاوي، يستخدم الأتراك التلويح بالعملية العسكرية للضغط على القوى الأخرى، بما فيها إيران والنظام السوري لتحصيل مكتسبات، “لذلك كلما طال أمد العملية تزداد الفائدة السياسية منها لتركيا أكثر من الفائدة العسكرية”.

وعن الوساطة الإيرانية بين النظام السوري وتركيا، يرى علاوي أن الأمر مرتبط بتنسيق وترتيب أمور المنطقة ما بين الأتراك والقوى المتداخلة، ومن الممكن أن تستفيد تركيا من الضغط الإيراني على النظام، من خلال الحصول على مكتسبات دون عمل عسكري، وذلك أفضل بكثير من تكبّد خسائر قد تؤدي إلى تراجع أسهم حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات التركية المقبلة، وكذلك تدهور الاقتصاد التركي المتراجع أساسًا، وهذا ما لا تريده الحكومة التركية.

وكان وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، تحدث في أثناء زيارة أجراها إلى دمشق، في 2 من تموز الحالي، التقى خلالها رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ووزير خارجيته، فيصل المقداد، عن وساطة إيرانية بين تركيا والنظام.

وفي 6 من تموز الحالي، كشف نائب الرئاسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، فنر كعيط، عن توجه “الإدارة” لفتح قنوات تواصل مع الدول العربية خلال النصف الثاني من العام الحالي.

وقال كعيط، إن مشروع “الإدارة” للأشهر المقبلة هو التركيز على البلدان العربية لفتح قنوات دبلوماسية معها، و”شرح الواقع بعيدًا عن التشويه، وما يلاحق (الإدارة الذاتية) من صفات تشويهية يقوم بها الأعداء”، بحسب تعبيره.

ويهدف المشروع، بحسب “الإدارة”، إلى النقاش مع الوفود الخارجية حول “سبل حل الأزمة السورية ورؤيتها للحل”، ونقل ما تعانيه وما يواجهها من “أخطار أمنية واقتصادية وتهديدات إقليمية”، بالإضافة إلى وضع المخيمات التي تحوي عوائل وأطفال تنظيم “الدولة الإسلامية”، وآلية استرداد الأطفال والنساء من المخيمات التي تديرها “قسد”.

 

 

عناصر من “قسد” وقوات التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا- تموز 2021 (عملية العزم الصلب/فيس بوك)

“طفولة سياسية” تترنح على أيدي القوى المتداخلة في سوريا

أعلنت هيئة الرئاسة المشتركة في حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، عن وجود بعض النقاط التي لم يتوصل فيها الحزب إلى اتفاق مع قوات النظام السوري، تزامنًا مع حديث وسائل إعلام موالية عن التوصل لاتفاق بين الطرفين.

وجاء في حديث عضو الهيئة آلدار خليل، الذي نقلته وكالة هاوار” المقربة من “PYD” في 7 من تموز الحالي، أن “سيادة سوريا ومسؤولية حمايتها تقع على عاتق حكومة دمشق”، التي تدّعي أنها تمثّل سوريا في الأمم المتحدة، معتبرًا أن “المناقشات في هذه المواضيع لا تكفي”.

وعن نقاط الخلاف بين الطرفين، اعتبر خليل أن النظام لم يقتنع بعد “بترك المركزية التي يحكم بها، لأنه يخاف من أنها ستكون سببًا في سقوطه عن الحكم في حال تخلى عنها”، وهو ما يسبب عائقًا أمام أي اتفاق مع النظام، إضافة إلى نقطة خلاف أخرى تعوق الحوار بين الطرفين اليوم، وهي أن النظام لا يعتبر أن “هوية سوريا ليست لمكوّن واحد فقط”.

بينما نقلت وكالة “سبوتنيك” الممولة من الحكومة الروسية، عن المتحدث باسم “قسد”، آرام حنّا، أن النظام وافق على إرسال تعزيزات عسكرية إلى خطوط التماس في ريفي الرقة وحلب لدعم “قسد” ضد تركيا.

طعنة في الظهر

وكانت “الإدارة الذاتية” أعلنت حالة الطوارئ في مناطق نفوذها شمال شرقي سوريا، بسبب ما وصفته بـ”التهديدات” التي تتعرض لها المنطقة من قبل تركيا.

من جانبه، أدان رئيس حزب “الاتحاد الديمقراطي” (PYD)، صالح مسلم، الولايات المتحدة، وروسيا، والتحالف الدولي، بسبب عدم دعمهم “الإدارة الذاتية” في مواجهة العملية العسكرية التركية المرتقبة.

وقال مسلم لصحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، “الذين أسندنا ظهورنا إليهم للأسف قد طعنونا، سواء كان التحالف الدولي أو أمريكا وحتى روسيا، ليس هناك من يحمل السلاح بدلًا عنا، سنحارب بأنفسنا”.

يرى الباحث والكاتب السياسي ماجد العلوش، أن “قسد تشعر بالمرارة والخوف معًا، لكنها لا تزال تتصرف بطفولة سياسية، والفارق أنها كانت تعتقد أنها طفل مدلل، بينما بدأت اليوم تدرك أنها طفل مهمل”.

ووفقًا للعلوش، فإن “(قسد) أصابها الغرور” نتيجة الانتصارات التي تحققت ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، معتقدة أنها الأب الشرعي والوحيد لتلك الانتصارات، كما أن “الإدارة الذاتية” تعتبر نفسها الرقم الأصعب في المعادلات العسكرية على الأرض السورية.

إلا أن التطورات اللاحقة أثبتت، بحسب العلوش، أن “(الإدارة الذاتية) مجرد قوة مستأجرة لتحقيق هدف بذاته، فانتقلت من الحكم الفيدرالي غير المحدد الملامح إلى (الإدارة الذاتية)، ومن القوة المستقلة إلى القوة المتمتعة بوضع خاص ضمن تشكيلات قوات النظام، مع مواجهات محدودة ومتناثرة مع ميليشيات النظام، ودعوة تلك الميليشيات للدفاع عن حدود الوطن كلما تعرضت للتهديد التركي”.

خسائر لمناطق نفوذ

دفعت قوات النظام، في حزيران الماضي، بتعزيزات عسكرية إلى مناطق سيطرة “قسد”، بأرياف حلب والحسكة، لدعمها ضد العملية العسكرية التركية المحتملة شمالي سوريا.

ونشرت الصفحة الرسمية لقوات “الدفاع الوطني“، الرديفة لقوات النظام السوري، تسجيلًا مصوّرًا يظهر حشودًا عسكرية وأعدادًا كبيرة من المقاتلين، يرفعون أعلامًا تحمل صور رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

كما استقدمت قوات النظام، في تموز الحالي، تعزيزات عسكرية وصلت إلى خطوط التماس مع “الجيش الوطني” مكوّنة من عدة سيارات دفع رباعي مثبت عليها رشاشات ثقيلة ومتوسطة.

وأفاد مراسل عنب بلدي، أن التعزيزات انطلقت من مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا باتجاه بلدة تل تمر شمال الحسكة التي تعتبر خط تماس مع “الجيش الوطني”.

كما تحدثت شبكات إخبارية روسية، في 4 من تموز الحالي، عن وصول تعزيزات عسكرية روسية من فرقة المظليين التابعة للجيش الروسي إلى شمال شرقي سوريا.

وبحسب ما نشرته وكالة “الربيع الروسي” (Rusvesna) بالروسية ووكالة “سبوتنيك” بالعربية، فإن القوات العسكرية وصلت إلى القامشلي، “حيث شهدت الأجواء في تلك المنطقة نشاطًا جويًا من خلال هبوط طائرات نقل عسكرية روسية نقلت أكثر من 500 جندي مظلي روسي”.

وأضافت الوكالة أن وصول هذه الفرقة العسكرية هو “لمواجهة العصابات المسلحة المدعومة من تركيا، التي أعلنت في وقت سابق عن إطلاق عملية عسكرية شمالي سوريا”.

وأشارت “Rusvesna” إلى أنه خلال يومين فقط، وصلت طائرتان، وفي غضون أسبوعين فقط تم نشر حوالي 600 مقاتل.

وفي أيار الماضي، وصلت تعزيزات عسكرية روسية إلى مطار “القامشلي”، تضمّنت مقاتلات روسية من طراز “SU-34” وطائرات هليكوبتر هجومية من طراز “Ka-52″، ووفق وكالة “سبوتنيك”، وصلت حينها بالتزامن مع التصريحات التركية التي هددت بشن عملية عسكرية جديدة في تلك المناطق.

وتتمركز القوات الروسية في مطار “القامشلي” التابع للنظام وفي محيطه منذ عام 2016، حيث تتخذه قاعدة لها منذ ذلك الحين.

نسبة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على مساحة سوريا نهاية 2021 وبداية 2022

– حافظت “قسد” على نسبة سيطرتها، وهي 25.64% من الجغرافيا السورية، وتعد نفس النسبة المسجلة منذ تشرين الثاني من 2019

– تشمل مناطق “قسد” أجزاء واسعة من محافظة دير الزور والرقة والحسكة، وأجزاء من محافظة حلب.

المصدر: مركز “جسور للدراسات”

 

يرى الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، أن “الإدارة الذاتية” هي الخاسر الأكبر من التطورات الجارية في شمالي سوريا، ففي حال توصّل ضامنو “أستانة” (روسيا وتركيا وإيران) لاتفاق جديد حول المنطقة يجنّبها العملية العسكرية التركية، فسيكون ذلك على حساب مشروع “الإدارة الذاتية” و”قسد” ولمصلحة النظام السوري، وإذا لم يتوصّلوا لاتفاق فستخسر “الإدارة” مناطق جديدة لمصلحة المعارضة السورية.

ووفق ما قاله عاصي لعنب بلدي، فإن استمرار التصعيد فترة أطول سيكون فرصة تستغلها قوات النظام وروسيا وإيران لتعزيز نفوذهم في مناطق “الإدارة الذاتية”، وبالتالي التأثير على قرارها مستقبلًا كما حصل بعد عام 2019.

ويصر النظام السوري على نموذج الإدارة المحلية لدمج هياكل الحكم والتسويات، ودمج المقاتلين من “وحدات الحماية” و”قوى الأمن الداخلي” (أسايش) و”قسد” عمومًا.

وفي حزيران الماضي، ردت رئيسة الهيئة التنفيذية لـ”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، إلهام أحمد، على الدعوة الروسية لدمج “قسد” مع جيش النظام السوري.

وقالت أحمد، “بدلًا من الهجوم على هذه القوات (قسد)، الأجدر أن يتم الحديث عن كيفية الحل السياسي، وبالتالي دمج (قسد) مع الجيش السوري في آليات معيّنة هو الحل الصحيح، في ظل تشتّت قوات النظام الضمني”.

وأضافت أن من الأجدر “الوصول إلى حل صحيح”، معتبرة أن “قسد” تحولت إلى “رقم صعب لا يمكن تجاوزه”.

وبحسب الباحث عبد الوهاب عاصي، “بينما تريد (قسد) شيئًا من الخصوصية لـ(YPG) على أقل تقدير، لا يبدو أن النظام سيكون مستعدًا لمنحهم ذلك إلا في حال عدم التوصل لاتفاق بين تركيا وإيران وروسيا، فسيكون مثل هذا الامتياز بغرض الضغط على أنقرة إلى حين التوصل لاتفاق نهائي معها يساعد على إعادة تطبيع العلاقات على غرار اتفاقية أضنة (1998)”.

الروس أصحاب القرار

يرى الباحث العلوش أن “أهداف الروس في سوريا معلَنة، ومنذ اليوم الأول كان هدفهم إعادة سيطرة قوات النظام على كامل التراب السوري أولًا ثم لكل حادث حديث”.

ونجح الروس في استعادة السيطرة على كامل مناطق “خفض التصعيد”، عدا الشمال الذي له وضع خاص بسبب العلاقة مع تركيا، ولاستحالة استخدام القوة شرق الفرات.

ولتحقيق الهدف السابق، يمارس الروس سياسة الابتزاز مع “قسد”، مستخدمين القلق التركي والتهديدات العسكرية المتكررة لبث الرعب في صفوف “قسد” ودفعها مرغمة للتعاون أكثر فأكثر مع قوات النظام ليس عسكريًا فقط، بل حتى إداريًا، على أمل استسلامها الكامل والوصول إلى منابع الثروة السورية، بحسب العلوش.

وقال العلوش، “تكرر (قسد) كلما تعرضت لضغط عسكري تركي استغاثاتها للنظام، دون أن تدرك بعد أن النظام فاقد للقرار، وأن قواته تتحرك بالأوامر الروسية، وأن الروس لا يمانعون عمليًا من التمدد التركي على حسابها إن لم تستجب لرغبتهم في التخلي أكثر وأكثر عن مكتسباتها السابقة لمصلحة النظام، لأن الوجود التركي يمكن التعامل معه يومًا بموجب القانون الدولي، والمسألة فقط تتعلق بطبيعة التفاهم التركي- الروسي في لحظة ما”.

وكلما لاحت في الأفق عملية عسكرية تركية، فقدت “قسد” قسمًا من مواقعها أو مكتسباتها لمصلحة النظام أو الروس، وفي أحيان أخرى تخسر أيضًا بعضًا من مواقعها لمصلحة تركيا (غصن الزيتون، درع الفرات، نبع السلام)، ويتكرر السيناريو من حين لآخر، وفق العلوش.

 


مجموعة من مقاتلي “قسد” في الرقة شمالي شرقي سوريا (AFP)

تهديدات تلقي بظلالها على السكان في مناطق “الإدارة الذاتية”

لا يتمثّل انعكاس التهديدات التركية بشن عملية عسكرية فقط على احتمالية خسارة “الإدارة الذاتية” المناطق التي تسيطر عليها، بل أيضًا على وجودها كسلطة إدارية حاكمة في المناطق ومدى تقبل السكان لهذه السلطة، التي لا تستطيع تحقيق استقرار في ظل مخاوفهم من عمليات نزوح جديدة مشابهة لما حدث في أثناء عملية “نبع السلام” عام 2019، التي كان أثرها كارثيًا على السكان، وسط تحذيرات أممية تصاعدت حينها من عمليات النزوح واستهداف المدنيين.

“الإدارة الذاتية” تدعو عبر قنواتها الرسمية ووكالاتها الأهالي في مناطق سيطرتها إلى التصدي للتهديدات التركية، وسط إقحام واضح للمدنيين في المسائل العسكرية على صعيد، وعلى صعيد آخر احتمالية التقرّب بين “الإدارة” والنظام السوري وروسيا، ما يثير مخاوف السكان.

الأهالي في حالة “قلق”

رصدت عنب بلدي حالة من الخوف والقلق بين سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على وقع التهديدات التركية المستمرة بشن عملية عسكرية، وخصوصًا سكان المدن القريبة من الحدود التركية، كالدرباسية والقحطانية والمالكية والقامشلي.

عبد العظيم العبد (46 عامًا) من سكان مدينة الدرباسية الملاصقة للحدود التركية، ويعمل تاجر جملة للمواد الغذائية، قال لعنب بلدي، إن الحركة التجارية في المدينة انخفضت “كثيرًا” على وقع التهديدات التركية، وإنه شخصيًا نقل مستودعين من المواد الغذائية التي يمتلكها إلى مركز مدينة الحسكة بعيدًا عن منطقة الحدود، كما أنه أوقف البيع بالدين وبدأ بجمع كل ديونه مخافة “حدوث نزوح جماعي للسكان وضياع مستحقاته المالية” معهم، مؤكدًا أن معظم من يعرفهم من تجار المدينة قاموا بنفس الخطوات التي قام بها كإجراء احتياطي.

في حين يرى أسامة حسين (50 عامًا) من سكان مدينة القامشلي ويمتلك صيدلية زراعية، أن الحل لمواجهة التهديدات التركية هو السفر إلى الخارج، لذلك قام بتصفية كامل حسابه مع زبائنه وبيع بضاعته “بسعر رخيص” لتجميع المبلغ اللازم دفعه إلى سماسرة التهريب عبر الحدود التركية، فهو يفضّل “الغربة في الدول الأوروبية” على أن يعيش “حياة النزوح واللجوء في المخيمات”.

كما يتخوف الآلاف من سكان المنطقة من التقارب بين النظام و”قسد”، أو أن تسلّم الأخيرة مناطق للنظام، خصوصًا أن المنطقة يوجد فيها آلاف المطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية وحتى من “المنشقين عن الجيش”.

منشق عن النظام السوري منذ عام 2013 (40 عامًا)، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، قال لعنب بلدي، إنه يفضّل أن “تجتاح تركيا المنطقة” على أن تسلّم للنظام من قبل “قسد” العاجزة عن مواجهة أي تهديد خارجي، فهو و”العشرات من المنشقين” الذين يعرفهم “قلقون جدًا من التقارب بين (قسد) والنظام”، وإنه في كل مرة تهدد فيها تركيا المنطقة يفكر جديًا بالسفر خارجًا، لكن ما يمنعه حتى الآن هو “عائلته” التي ليس لها معيل سواه، وتكاليف عمليات التهريب “المرتفعة”.

أما في مدينة الرقة، فيصف إبراهيم العزوز (38 عامًا) حاله وحال السكان بقوله، “لا يبدو أن الأمور ستمر بهدوء، إننا قلقون بشكل كبير”، معتبرًا أن المستقبل وكل ما يرتبط به لا يزال مجهولًا.

وقال إبراهيم لعنب بلدي، إن حديث مسؤولي “الإدارة” و”قسد” عن إمكانية التنسيق مع النظام يثير مخاوف لدى السكان، كما تثير التهديدات التركية بعملية عسكرية ذات المخاوف لدى الأهالي.

وأشار إلى أن أي تحرك عسكري في المنطقة أو تهديد به يؤثر بشكل مباشر على حياة السكان والحركة التجارية في المنطقة، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه السكان، بسبب الغلاء وانخفاض قيمة الليرة السورية.

وذكر إبراهيم أن المناطق التي سيطرت عليها تركيا مع فصائل “الجيش الوطني السوري” في ريفي الرقة والحسكة تعيش أوضاعًا أمنية واجتماعية صعبة، حسب رأيه، وأن لدى السكان مخاوف حقيقية من انتقال تلك الأوضاع إلى مناطق جديدة في حال تنفيذ العملية العسكرية التي يتحدث عنها المسؤولون الأتراك.

الناشط المدني من مدينة الرقة فادي الحسن، يرى بدوره أن من واجب “الإدارة الذاتية” و”قسد” البحث عن الحصول على اتفاقية أمنية واضحة مع التحالف الدولي الذي تعتبره “الإدارة” شريكًا في حربها على تنظيم “الدولة الإسلامية”.

واعتبر الحسن أن “الإدارة الذاتية” تعيش حالة من التخبط السياسي والأمني رغم مرور عدة سنوات على تأسيسها وإدارتها لأغنى المناطق السورية بالثروات الباطنية والزراعية ومصادر المياه، إذ لم تبنِ طوال تلك الفترة تحالفًا سياسيًا مع المجتمع الدولي ينقذها من التهديدات بالعمليات العسكرية.

وأشار إلى أن ارتباط “الإدارة الذاتية” بحزب “العمال الكردستاني” المصنّف على قوائم “الإرهاب” لدى كثير من الدول، يترك مجالًا واسعًا لتركيا ودول أخرى لمعاداة “الإدارة”، وعلى ذلك فهي مطالبة شعبيًا بفك هذا الارتباط أو على الأقل تحجيمه وإبداء مرونة أكبر تجاه الحوار مع السوريين، لا سيما أطراف المعارضة.

ولا تشكّل رؤية الحسن للحل نظرة بعيدة عمّا يجري فعلًا من تحركات دولية من السياسيين الأمريكيين، إذ أجرى السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام، في 6 من تموز الحالي، زيارة إلى مدينة الحسكة التقى خلالها مع قادة “قسد و”مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، نوقشت خلالها مبادرته لإنهاء التصعيد بين مناطق “قسد” وتركيا، التي تتضمّن تبادلات تجارية واتفاقيات تفيد الطرفين.

ووفق مقال نشره جراهام على موقع “فوكس نيوز“، في 30 من حزيران الماضي، اقترح أن “الحل الأكثر قابلية للتطبيق، هو معالجة مصالح الأمن القومي لتركيا مع تطوير علاقة تجارية في الوقت نفسه بين الحكومة التركية وسكان شمال شرقي سوريا، فهناك حقول نفط في المنطقة يمكنها مع المزيد من الاستثمار إنتاج كميات أكبر من النفط، وهو ما يعود بالفائدة على كل من سوق النفط العالمية، واقتصاديات شمال شرقي سوريا وتركيا، “أفضل طريقة لحل هذه المشكلة بمرور الوقت هو جعلها مربحة للجانبين لسكان شمال شرقي سوريا وحلفائنا الأتراك، سواء على الصعيد الأمني ​​أو الاقتصادي”، حسب قول جراهام.

مقاتلون من “قسد” خلال اشتباكات مع “الدفاع الوطني” الموالية للنظام السوري في القامشلي- 22 نيسان 2021 (وكالة نورث برس)

قضايا داخلية تزيد “الطين بلة”

يواجه السكان في مناطق شمال شرقي سوريا، إضافة إلى تحديات العملية العسكرية، تحديات اقتصادية وخدمية تتمثّل بشح بعض المواد الاقتصادية، وزيادة في أسعار المحروقات، فضلًا عن التضييق الذي تمارسه “الإدارة الذاتية” عبر جناحها العسكري “قسد” باعتقالات عشوائية بتهم الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، وسقف منخفض من الحريات.

وأمام هذه المعطيات، لا يعتقد الصحفي السوري سامر الأحمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن مسألة “المقاومة الشعبية” وانخراط المدنيين في التعقيدات السياسية بين تركيا و”وحدات حماية الشعب” (YPG) هي صحيحة كما يُروّج لها عبر الوكالات التابعة لـ”الإدارة الذاتية”.

وقال الأحمد، إن “الإدارة الذاتية” و”قسد” منذ سيطرتهم على المنطقة في عام 2014 ارتكبوا عددًا من الانتهاكات والاعتقالات المستمرة حتى الآن بتهم الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، إضافة إلى سوء الأمور الخدمية والاقتصادية، الأمر الذي شكّل رد فعل لجميع سكان المنطقة بمختلف مكوّناتها، تمثل بمظاهرات واحتجاجات ضد “الإدارة”، وهو ما يجعل قضية “المقاومة الشعبية” مجرد “دعاية إعلامية” لتوريط السكان في مثل هذه الأمور السياسية والعسكرية.

وأضاف أن السكان يرفضون سلطة “قسد” وعودة النظام السوري إلى المنطقة، وجميع سلطات الأمر الواقع، معتبرًا أن السكان يريدون فقط سلطة “تحفظ كرامتهم وتؤمّن لهم حياة بأقل الشروط الممكنة من فرص عمل خدمات وظروف أمنية وسقف حريات”، حسب قوله.

وبحسب الأحمد، فإن عدم تسخير موارد المنطقة الغنية بالثروات، من زراعة ونفط، وتردي الأمور الاقتصادية والمعيشية وتوفير فرص العمل، ولّدت ردود فعل شعبية غاضبة، مشيرًا إلى أن السلوك الأمني الذي استمرت “قسد” بممارسته عبر عمليات الاعتقالات والاختفاء القسري والسجون السرية، يشبه سلوك النظام السوري، وهذا السلوك يولّد حالة من الغضب الشعبي، إذ لا يريد أحد أن يحمل السلاح ويقاتل بإرادته للدفاع عن هذه السلطة، وما سيحصل هو حملات تجنيد إجباري.

واعتبر أن السكان محقون بتخوفهم من التحالف بين “قسد” وقوات النظام السوري، الأمر الذي سيسهم باعتقالات وحملات أمنية، متوقعًا أن ما سيحصل هو انتزاع بعض المصالح المشتركة بين الطرفين على شكل تفاهمات ومكتسبات بعيدًا عن أي اعتبارات للسكان.

English version of the article

مقالات متعلقة