تدريبات “إنزال” في سوريا بإشراف روسي.. إثبات وجود أم حقل تجارب

القوات العسكرية الروسية تقيم عرضًا عسكريًا بمناسبة عيد البحرية الروسية في مدينة طرطوس السورية -31 من تموز 2022 (وزارة الدفاع التابعة للنظام السوري/ فيس بوك)

ع ع ع

عنب بلدي – حسن إبراهيم

تصدّرت عمليات الإنزال المظلي، مؤخرًا، التدريبات التي تشرف عليها القوات الروسية، لتدريب عناصر من قوات النظام السوري في مناطق متفرقة يسيطر عليها النظام السوري.

ارتفاع وتيرة التدريبات ذات الرعاية الروسية، بالتزامن مع حديث لا يتوقف عن عملية عسكرية تركية مرتقبة شمالي سوريا، فتح باب التساؤلات حول الغرض منها، وإمكانية استثمارها بعد 11 عامًا حوّلت خلالها موسكو الأراضي السورية إلى مكان اختبار جرّبت فيه أكثر من 320 نوعًا من الأسلحة حتى تموز 2021.

الدور العسكري الروسي غيّر المعادلة العسكرية بالنسبة للنظام، وأنعش سيطرته بعد تهالك وتراجع وانسحابات قلّصت حضوره على خريطة البلاد.

إنزالات مرتفعة الوتيرة

في 30 من آذار الماضي، نشرت قناة “Zvezda“، التابعة لوزارة الدفاع الروسية، تسجيلًا مصوّرًا لضباط روس يدربون مقاتلين في صفوف النظام على عمليات إنزال مظلي.

واجتاز 60 ضابطًا ممن يسمون “قوات النمر” (الفرقة 25 قوات خاصة)، بحضور قائدها سهيل الحسن، تدريبات على عمليات الإنزال الجوية، من قبل “معلميهم الروس”، حسب القناة، التي ذكرت أن التدريبات مستمرة لتشمل بقية أفراد وعناصر “الفرقة”، لتحويلهم من مشاة إلى مظليين.

كما هاجم طيارون روس وسوريون، في 7 من حزيران الماضي، طائرات معادية وهمية بالصواريخ، قرب مرتفعات الجولان السوري المحتل، خلال تدريبات جوية بين روسيا وقوات النظام قرب المنطقة.

وانطلقت طائرات روسية من أنواع “Su-24″ و”Su-34” و”Su-35S من قاعدة “حميميم” العسكرية في ريف اللاذقية، وانطلقت طائرات تابعة للنظام من طراز “MiG-23″ و”MiG-29” من مطاري “الصقال” (السين) و”الضمير” في محيط دمشق، وفق ما نشرته “Zvezda“.

أحد طياري مقاتلة “Su-35S” الروسية، ويدعى أنطون، قال إن الطيارين السوريين لم ينفذوا أي عمليات ضمن المناورات، موضحًا أنه تم السماح لطيار سوري واحد بمرافقة العمليات لمرة واحدة في كل مناورة، وذلك “للتغلب على الحاجز النفسي، ولصقل مهارات العمل مع معدات مقصورة الطائرة”.

وفي 12 من تموز الماضي، عرضت القناة تسجيلًا مصوّرًا لعمليات إنزال جوية ليلية، بإشراف مدربين روس، لقوات من “الفرقة 25″، بعنوان “نمور في الجو”، وتابعت عملية إنزال العناصر الطائرات المروحية من خلال مناظير ليلية.

بعد عملية الإنزال، نعت عدة صفحات ومواقع موالية عسكريَّين مظليَّين، كلاهما برتبة ملازم أول ضمن قوات “النمر”، قُتلا خلال تدريب غير ناجح على الإنزال المظلي تحت إشراف القوات الروسية، مع تضارب الأنباء حول موقع مقتلهما بين ريف حلب الغربي وريف إدلب الجنوبي.

الإنزالات الجوية يمكن أن تُنفذ بالمظلات أو بإنزال جوي عبر الحوامات، ويتم “إبرار” ونزول القوات الخاصة من الحوامة دون استخدام المظلات.

يُنفذ الإنزال خلف خطوط قوات الطرف الآخر، والغاية منه:

1- تدمير مقار قيادة الطرف الآخر والسيطرة عليها، لخلق البلبلة والارتباك.

2- الاستيلاء على خط مناسب بالعمق، لتسريع وتيرة هجوم القوات المهاجمة من الجبهة.

3- الاستيلاء على عقد المواصلات بعمق وخلف خطوط الطرف الآخر، لتدمير ومنع وصول الإمدادات والدعم للقوات المهاجمة.

العقيد في “الجيش الوطني السوري” أحمد الكردي

 

إنزال “متعدد الأهداف”

المحلل العسكري العميد عبد الله الأسعد، قال لعنب بلدي، إن التدريبات تأتي لإيصال رسالة للعالم، توضح روسيا عبرها سيطرتها على مناطق داخل سوريا، وسطوتها الحاضرة من خلال قواتها الموجودة والمشرفة على التدريب.

وأضاف الأسعد أن روسيا أصبحت تهتم بتدريب القوات الجوية للنظام، لإمكانية استخدامها في إنزالات جوية خلال عملياتها العسكرية على الأراضي السورية، إضافة إلى استخدام محتمل في أوكرانيا.

وتضاربت الأنباء حول إرسال مقاتلين سوريين للمشاركة في “الغزو” الروسي لأوكرانيا، إذ نشرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، في 4 من آذار الماضي،  تقريرًا تحدث عن تحضير سوريين للمشاركة في الحرب المستمرة منذ إعلان “الغزو” الروسي، في 24 من شباط الماضي.

وقال حينها المبعوث السابق لوزارة الخارجية الأمريكية الخاص بالشؤون السورية، جويل ريبورن، إنه لا توجد أدلة على أن لدى قوات النظام السوري “مقاتلين ماهرين بالقتال في المناطق الحضرية”، أو لديها مهارات من أي نوع، باستثناء تهريب المخدرات.

وتتأثر أسباب التدريبات، وفق الأسعد، باختلاف المرحلة وخصوصيتها والسياق العسكري الذي تمر به المنطقة، فالتدريبات التي أجرتها روسيا قرب مرتفعات الجولان، سبقها توتر علاقات بين روسيا وإسرائيل.

الأمر لا يقتصر على التدريبات حتى توصل روسيا رسائلها، فإلى جانب غاراتها الجوية شبه المتكررة على مناطق شمال غربي سوريا، تظهر القوات الروسية في مناسبات متعددة مستعرضة قدراتها العسكرية، آخرها في 31 من تموز الماضي، حين نظمت القوات العسكرية الروسية عرضًا عسكريًا بمناسبة عيد البحرية الروسية في قاعدتها العسكرية بمحافظة طرطوس السورية، وشاركت في العرض العسكري سفن حربية من ثلاثة أساطيل تابعة للبحرية الروسية في البحر الأسود والمحيط الهادئ والشمالي لأول مرة، إلى جانب مقاتلات حربية روسية وغيرها، بحسب ما نشرته قناة “روسيا اليوم“.

تدريب ذو تأثير أم دوري؟

ارتفعت وتيرة التدريب على عمليات الإنزال المظلي مؤخرًا، بالتزامن مع تسارع الحديث عن نيات تركية أعرب عنها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ومفادها عملية عسكرية تركية مرتقبة شمالي سوريا لا تنتظر فيها أنقرة إذن أحد، وفق تصريحات تعاقبت على ألسنة مسؤولين أتراك.

والمقصود من العملية على الأرض هي مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المدعومة أمريكيًا، الأمر الذي تعارضه دول عدة منها الولايات المتحدة.

كما شهدت المنطقة تحركات عسكرية لعدة قوى على الأرض، منها تعزيزات عسكرية لقوات النظام دخلت مناطق سيطرة “قسد”، شمال شرقي سوريا، لمؤازرتها، خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وهناك أيضًا تحركات روسية جوية في المنطقة، منها وصول معدات عسكرية حربية وسرب من ست طائرات مروحية، بالإضافة إلى طائرتين حربيتين، إلى مطار “القامشلي” الدولي شمال شرقي سوريا، في 27 من أيار الماضي.

ويرى المحلل الأسعد أن هذه التدريبات تتناسب بالكامل مع المعركة شمالي وشرقي سوريا، وأن طريقة المعركة المقبلة تتطلّب هذا النوع من العمليات المظلية التي ترتكز على الإنزال خلف خطوط قوات الطرف الآخر، مشيرًا إلى أن القوات الروسية أرسلت عناصر إنزال مظلي روسيين ووضعتهم شرقي سوريا.

وفي 4 من تموز الماضي، أرسلت روسيا تعزيزات عسكرية من فرقة المظليين إلى القامشلي شمال شرقي سوريا، وصلت إلى أكثر من 500 جندي مظلي روسي.

وأضاف المحلل العسكري أن المنطقة الجغرافية التي يجري العمل بها في سوريا، مهيّأة لمثل عمليات الإنزال المظلي خلف خطوط القوات، منها جبهة “الجيش الوطني السوري”، كونها تقاتل ضمن جبهة عريضة أو طويلة، تشمل ريفي حلب الشمالي والشرقي، ومدينتي رأس العين وتل أبيض شمال شرقي سوريا.

من جهته، المحلل العسكري الرائد طارق حاج بكري، شكّك بقيمة هذه التدريبات، واعتبرها مكررة ودورية، مشيرًا إلى أنها مجرد تدريبات تكتيكية “لا تقدم ولا تؤخر”، ولا يستطيع النظام استخدامها للقيام بأي عمل عسكري، سواء في مناطق سيطرة فصائل المعارضة، أو حتى في مناطق سيطرة “قسد”.

ويرى حاج بكري، في مداخلة أجراها مع عنب بلدي، أن النظام السوري لا يملك القوة أو المقدرة سواء التكتيكية أو العسكرية أو الفردية، على تنفيذ أي عمل عسكري دون دعم أو توجيه من الحلفاء، أبرزه الدعم الجوي من قبل الروس، ولا يمكن لطائراته أن تحلّق في الشمال السوري لأنها ستتعرض للخطر، رغم التدريبات المظلية بإشراف روسي.

وفي حال جرى استخدام الطائرات الروسية في عمليات كهذه، فهذا يعني دخول روسيا الحرب بشكل مباشر ضد القوات التركية الداعمة للفصائل في المنطقة، بحسب الباحث الذي استبعد حدوث مثل هذا الأمر.

واستبعد العقيد في “الجيش الوطني” أحمد الكردي، أن تملك قوات النظام الجرأة لتنفيذ مهام كهذه سواء بمفردها أو حتى بالتعاون مع الروس، لأن أضعف مرحلة تمر فيها القوات المنفذة للإنزالات الجوية هي لحظة “الإبرار” (وصول القوة الجوية إلى الأرض).

وأوضح العقيد لعنب بلدي، أن صعوبة التنفيذ تتعلق بتأهب القوات المدافعة من خلال تجهيز مسرح العمليات، وإعدادها خطة خاصة بالقضاء على الإنزالات الجوية المحتملة، مشيرًا إلى وجود خطة خاصة لدى القوات المدافعة (القوات المرابطة)، تُسمى خطة وخريطة “القضاء على الإنزالات الجوية المعادية”.

ويُعد هذه الخطة قادة العمليات، ويوضع فيها جميع الاحتمالات والمناطق من الأرض التي يحتمل أن ينفذ العدو إنزالًا جويًا عليها، وتُحدد القوة المدافعة والمركزيات الأقرب لكل منطقة من أجل التحرك باتجاه مكان الإنزال الجوي، بحسب العقيد أحمد الكردي.

التدريبات مستمرة

عملت روسيا بعد تدخلها عسكريًا إلى جانب النظام في سوريا، أواخر أيلول 2015، على تأهيل قواته وتدريبها، وخصوصًا تدريب “قوات النمر” بقيادة سهيل الحسن، الذي كرمته وزارة الدفاع الروسية بوسام “الشجاعة” عام 2016، عازية ذلك إلى محاربته تنظيم “الدولة الإسلامية” في ريف حماة الشمالي.

وغيّرت “قوات النمر” اسمها إلى “الفرقة 25 مهام خاصة- مكافحة الإرهاب”، في آب 2019، وتداولت صفحات ووسائل إعلامية خبر تغيير اسم القوات التي تشارك في عمليات النظام العسكرية بإدلب وريف حماة، بتوجيهات من رئيس النظام، بشار الأسد.

وتعتبر “قوات النمر” من الميليشيات الأكثر فاعلية إلى جانب قوات النظام الرسمية، وعُرفت في عملياتها العسكرية باتباع سياسة الأرض المحروقة.

كما اعتمد عليها النظام السوري في عدة مناطق سورية، بدءًا من مدينة مورك بريف حماة وصولًا إلى مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، لتنتقل بعدها إلى مدينة حلب، وفيما بعد إلى الغوطة الشرقية والقلمون الشرقي ومحافظتي درعا والقنيطرة.

وتستفيد روسيا، عادة، من التدريبات والعمليات القتالية الحقيقية في سوريا، خصوصًا في تجريب أسلحة جديدة، وشمل تدريب الروس لقوات النظام مختلف القوات (البرية والبحرية والجوية)، على مختلف الأسلحة، إضافة إلى تكتيكات التعامل وصد الهجمات.

وتسعى روسيا منذ انتهاء الحملة العسكرية الأخيرة على مناطق الشمال السوري، التي توقفت منذ الأشهر الأولى من عام 2020، إلى تغيير صبغة “الفرقة 25” من صفة الميليشيا التي أُسست عليها، إلى صفة الفرقة العسكرية المنظمة، من خلال إعادة هيكليتها التنظيمية، ورفع مستوى ضباطها وعناصرها عبر هذه التدريبات.



English version of the article

الأكثر قراءة


مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة