أحمد شحادة … وداعًا…

-خالد-شحادة.jpg

يبقى السؤال الملح كل يوم: هل يحتاج الأمر كل ما حدث من التضحيات؟ هل تحتمل الحرية كل هذه الدماء؟ من سيبقى لينعم بالحرية إذا ذهب أهلها؟

جميع من التقاهم أحمد في صغره ترك فيهم الأثر، فهو كان الطالب المجد في دراسته منذ الطفولة ومن ثم في كلية الاقتصاد ليتخرج منها في قسم الاقتصاد والتخطيط ليتابع دراسة الماجستير ومن ثم ليعمل في بعثة الاتحاد الأوروبي،

لم يعبئ أحمد بمستقبله المهني المشرق الواعد ولم تكن التضحية بكل ذلك في سبيل الثورة محط تفكير أو تردد بالنسبة له. فقد انخرط بالثورة منذ بدايتها وما أقعده عن المشاركة بالمظاهرات والعمل الثوري إلا اعتقاله في أقبية المخابرات الجوية أو «الفندق» كما كان يسميه، اعتقل أحمد لأول مرة لمدة شهر وأمضى بعدها ثلاثة أشهر استشفاء من إصابة في قدمه عمل خلالها أضعاف ما كان يعمله قبل الثورة ومن ثم اعتقل مرة أخرى لستة أشهر عند المخابرات الجوية ليخرج بعدها مثابرا في عمله الإغاثي بالرغم من الظروف الأمنية القاسية جدًا التي مرت بها داريا بعد الإفراج عنه.

ولأن آفة الثورة هي في عملها الفردي والمشخصن وغير المؤسساتي كما كان يقول فقد سعى إلى تشكيل المجلس المحلي لمدينة داريا والذي أسس ليضم كل الجهود الفردية التي كان تعاني من تضاربها في بعض الأحيان.

يعتقد أحمد أن التغيير الاجتماعي لا يكتسب رسوخًا ما لم يؤسس له تغيير فكري، وأن أول فوائد الثورة هو فضاء الإعلام الذي وسعته الثورة بدماء شهداءها، من أجل ذلك انضم إلى فريق عنب بلدي وعمل به بالسر الذي سرعان ما انتخبه ليكون مدير تحرير الجريدة بما له من سعة اطلاع ودقة الملاحظة.

«سوق هال» زاويته الأسبوعية في عنب بلدي التي كانت تتناول الشأن الاقتصادي في داريا وسوريا عمومًا، ليوجه ملاحظاته الموضوعية لتحسين العمل الإغاثي والعمل على تطويره ومأسسته بعيدًا عن الفردية وبناء الأمجاد الشخصية.

من التقى أحمد لن ينساه… شاب هادئ قليل الكلام كثير الإنصات شديد الانضباط بالمواعيد ولا تفارقه الابتسامة. أصدقاؤه في السجن ينقلون عنه أنه كان ملجؤهم لتخفيف صعوبة السجن عنهم.

ليس صحيحًا أن كل قصف النظام عشوائي، ليس صحيحًا ذلك على الإطلاق، صواريخ النظام مصممة لتقتل خيرة شباب سوريا.

طريق الحرية طويل وشاق، ولا محيص عن المضي به قدمًا كما فعل أحمد ولكن تبقى الغصة مكلومة في قلوبنا

أحمد شحادة لم يترك للحرية ما يفرحنا بنيلها.

 

*****

·        زوجة الشهيد أحمد شحادة

أأبكي على جرح مصابي بحبيب قلبي أم أفزع بالدعاء لمن كان قرة عيني وسكن فؤادي… كتبت زوجة أحمد.

عندما ابتعد عني أحمد لعدة مرات في الثورة كان الله سبحانه وتعالى يرجعه إلي سالمًا وقد حمل من كل تجربة الخير الكثير.

كنت استلهم منه القوة والجرأة .. والآن وقد سبقني جزء مني إلى فردوس الجنان (بإذن الله) ما زلت على ثقة بأن الذي كان يجمعنا بعد كل فترة من الابتعاد بأنه سيجمعنا الآن تحت ظله وفي جنانه.

كنت دائما أحدث نفسي بأن حسن أخلاقه معي ومع والديه وأصحابه سيشفع له يوم القيامة ..

كانت أخلاقه الحسنة هي من أجمل صفاته، وكان ممازحًا أغلب وقته ..

كانت أمي تقول «الحمد لله يلي الله بعتلك أحمد الحنون عليكي» كنت أرى حنانه في كل أحوالي .. في مرضي أو ضجري أو غيرتي وفي زعلي، كنت إذا تضايقت منه في شيء وهممت بالخروج يقول لي «أمانة ما بتطلعي من الغرفة إنتي وزعلانة» وتدفعني ابتسامته حينها إلى نسيان القصة كلها.. لا أدري ما أقول فالأحاديث عن جمال أخلاقه وحنانه لا متسع لها عندي.

كان يحاول دائمًا أن لا تلهيه الثورة عن واجبه تجاه بيته أو حتى في زيارة أهله وقضاء حوائجهم،

كنت أقول له «بتعرف.. صحيح بغار من شغلك بس بنبسط لما شوفك عم تشتغل بإخلاص» .. الإخلاص كان أكثر ما ميز أحمد عن غيره، ليس فقط أثناء الثورة، بل منذ عرفته، إذ كنت أغبطه على تفانيه في عمله وإخلاصه فيه وحرصه على تقديمه كاملًا

لم يتسنى لأحمد الخروج في كل المظاهرات، فثلاثة أشهر من الثورة منعه عن الخروج كسر في قدمه ناتج عن اعتقاله الأول، وما إن تماثل للشفاء حتى تم اعتقاله مرة أخرى ستة أشهر كاملة، كانت المظاهرات خلالها في أوجها في داريا. لكنه بعد خروجه من الاعتقال لم يستطع المكوث في المنزل أكثر من أسبوع وبعدها انضم للعمل في المجال الإغاثي .. كنت أراه حقًا يعمل بكل جهده .. وبكل تنظيم.

عندما التحق بفريق عنب بلدي لم أكن أعرف حينها ما هو عمله بالضبط لكني كنت أشاهد سهره ليلتان قبل خروج العدد أحيانًا لا ينام فيها إلا ساعتين أو ثلاثة، كانت إحدى توصياته الدائمة لي: «لا تخلي حدا يعرف إني عم اشتغل بالإغاثة أو الجريدة..».

لن أكتب أكثر .. فمهما كتبت فلن أوفيك حقك ولن استطيع أن أصف مقدارًا صغيرًا من حبي لك ومن أخلاقك العالية معي..

لن أتكلم عن ثلاث سنين قضيتهم معك كانوا من أجمل أيام حياتي .. أحببتك فيهم حبًا عميقًا وما زلت..

أدعو الله أن يمن علي أن اجتمع معك في جنته وأن يغفر لي تقصيري في حقك.

*****

·        سايمون بويزن مولر (زميل أحمد في البعثة الأوروبية)

«إذا لم أقدم أنا المساعدة فمن غيري يقوم بذلك؟»

نلت شرف العمل جنبًا إلى جنب مع السيد أحمد شحادة. حيث التقيت به للمرة الأولى خلال إجرائه مقابلة العمل واتضح لي عندها ما يتمتع به من شخصية قوية وذكاء حادّ. عملنا في المكتب نفسه لخمس سنوات -باستثناء السبعة أشهر التي قضاها ظلماً في أقبية المخابرات الجوية- أو «الفندق» كما كان يسمي ساخراً الزنزانات المزدحمة في مبنى المخابرات الجوية في أبو رمانة.

خلال هذه السنوات، كان أحمد يشاركني في العديد من آرائه حول مسائل جوهرية في سوريا كان على رأسها الاقتصاد والدين والقضايا الإنسانية.

وكان أحمد، على مدى هذه السنوات، شخصية بارزة في القسم وعضوًا فاعلًا في مجموعة موظفي المكتب. ويحظى باحترام الزملاء المحليين والدوليين على حد سواء.

ولم يكن أحمد مجرد زميل بل صديقًا عزيزًا ومقربًا. وكان إخلاصه وتفانيه منبع إلهام لا ينضب. كان رجلاً متسامحًا يحمل قيمًا وإيمانًا وعقيدة راسخة. ورجلًا صادقًا ومحترمًا وجلدًا وعطوفًا يتميز بمستوى عال من ضبط النفس.

التقيت بأحمد للمرة الأخيرة منذ شهر مضى. كنت قلقًا على سلامته وسألته إن كان يفكر بالانتقال إلى مكان آخر. وأجابني عندها صراحة «إذا لم أقدم أنا المساعدة فمن غيري يقوم بذلك؟» وعندما سألته عما يحتاجه، أجابني: «عدد أكبر من الأشخاص».

كان أحمد رجلاً لا ينقض عهوده ولا يتخلى عن مبادئه حتى حين عرضه ذلك للمخاطر. فلطالما تمتع بالجرأة للنطق بالحقيقة والوفاء بها.

وإنني على ثقة بأنه لو بقي على قيد الحياة، كان سيلعب دورًا هامًا وبناءًا في مستقبل سوريا القادم.

كان استشهادك يا أحمد خسارة عظيمة وسأفتقدك من كل قلبي، ولكنني أعلم بأنك بذلت روحك في سبيل مساعدة الآخرين وتحقيق العدالة ونيل الحرية. راجيًا من الله أن يتغمد برحمته روحك الطاهرة.

*****

·        عامر مهدي

أحـمـد.. شـهـيـد الإنـسـانـيـة..

لا أعرف من أين أبدأ يا صديقي… عشرون عامًا مضت منذ التقينا أول مرّة في المسجد، سمعت حينها أن الأول على داريا في صف السابع طالب اسمه أحمد شحادة، كنت الأول على مدرستي ولكن سبقني أحمد ذلك العام.

سويّةً حفظنا القرآن، سويّة لعبنا ودرسنا واجتهدنا، لن أنسى رحلاتنا ونقاشاتنا، لن أنسى ذكرياتنا المحفورة في مستقبلي..

عرفتك خجولاً متواضعًا تواضع الكبار، لطالما كنت فخورًا بك، كلما رأيتك تحقق نجاحًا تلو الآخر، كنت أعرف دائمًا أنك لا تحب الظهور وتفضل العمل بعيدًا عن الأضواء مهما كان عملك مهمًا، كنت أراك تتسلق سلم النجاح وكنت أقول في نفسي: من المؤكد أننا سنحتاج أحمد ليستلم إحدى المناصب المهمّة في هذا البلد، فهو كفء، وهو أمين، مؤتمن، صادق، عقلاني، دقيق في مواعيده وحساباته، مطّلع وعالم باختصاصه وحائز على أعلى الشهادات، ولكن اختارك الله لجواره…

وكما جمعنا المسجد والمدرسة، جمعتنا الثورة، جمعتنا المظاهرات، لا زلت أذكر عندما سجنك النظام الفاجر بضعة أشهر كانت كفيلة بأن ترسّخ إصرارك على الثورة، توقعتك أن تسافر فور خروجك من السجن، ليس هربًا وإنما على الأقل لعلاج قدمك وعلامات التعذيب على جسدك، ولكن تفاجأت بانخراطك في الثورة أضعافًا مضاعفة عما كنت عليه قبل الاعتقال، سنحت لك أفضل الفرص لإكمال تعليمك في الخارج أو حتى العمل مع أرفع المنظمات العالمية، ولكن أبيت إلّا أن تبقى في بلدك، بجانب إخوتك وأصدقائك، تجاهد معهم بوقتك وعقلك وجهدك، تخدم مواطنيك الذين هم بأمسّ الحاجة ليد حنونة عطوفة كعطفك وحنانك..

قبل استشهادك ببضع ساعات، سألتك كيف تستطيع إيصال المساعدات لعشرات الآلاف من عائلات داريا التي نزحت، هذه مهمّة شبه مستحيلة وخاصّة ضمن الظروف الأمنية المحيطة بك، تحتاجون إلى جيش من الأفراد لإتمام هذه المهمة… وكان ردك: «لك آآآآآآآآآآآآآآخ، كتار اللي عم يساعدونا.. وكثار اللي عم يشتغلو فينا»

قدرنا في هذه الثورة أن نفقد أفضل الناس وأقرب الناس، قدرنا في هذه الثورة أن تأخذ فلذات أكبادنا، سيندم ظالمك على فعلته وحقك لن يضيع ودمك سيكون منارة تضيء مستقبلنا…

القلب يعتصر ألمًا يا أحمد، بكيتك ومازلت حتى هذا اليوم أبكيك، وكلما رأيت صورتك أو حدثني أحد عنك، نزلت دموعي..

عزائي أنك الآن عند مليك مقتدر، عند العادل الذي لا يضيع عنده حق….. وداعًا إلى لقاء

 

*****

·        محمد حسام حلمي

من كواليس «سوق الهال» إلى جنة الرحمن..

«سوق الهال» كان على موعد أسبوعي مع مقالات وتحليلات وانتقادات أحمد الاقتصادية، لم يكن أحمد راضيًا عن أداء ونوعية البضاعة المعروضة في «السوق» فقد كان يكره التطرق إلى المواضيع الاقتصادية الجافة التي تتحدث فقط عن الجانب الأكاديمي والنظري البحت. وكانت الأمور المعيشية والحياتية للناس وسلوكهم الاقتصادي وعادتهم الشرائية وسياسة الحكومة الاقتصادية هي ما تؤرقه ويود التطرق إليها دائمًا.

فالصفحة الاقتصادية في عنب بلدي (سوق هال) تنشر مقاليين أسبوعيًا، وفي كل أسبوع يتم مناقشة المواضيع المطروحة للكتابة في جلسات عصف ذهني بين أحمد وحسام (مسؤولا صفحة سوق هال) في الجريدة، لكن أحمد في صبيحة يوم الثلاثاء 12 آذار طلب من حسام كتابة المقالتين نظرًا لوجوده في داريا في ظروف لا تسمح له بالبحث والكتابة، فأعتذر حينها لانشغاله، لكنه لم يكن يعلم أنها ستكون المحادثة الأخير بينهما.. عندما قرأ حسام نبأ استشهاد رفيقه أحمد، كتب مباشرة له رسالة على الفيس بوك «أنا مستعد أكتب ألف مقالة، الله يخليك لا تتركنا..!»

هكذا كل يوم تودع سوريا خيرة شبابها وتخسر رصيدًا من الرأسمال البشري المعول عليه لبناء مستقبل سوريا، فأحمد تخرج من كلية الاقتصاد -قسم الاقتصاد والتخطيط- في جامعة دمشق عام 2003، ثم تابع مرحلة الدراسات العليا وحصل على درجة الدبلوم في الاقتصاد المالي والنقدي عام 2004، وانتقل بعدها إلى دارسة الماجستير في الاقتصاد وكانت أطروحة بحثه تركز على دراسة الرسوم الجمركية وتأثيرها على عمليات الاستيراد، لكنه لم يستطع متابعة دراسته بعد بدء الثورة وانخراطه فيها. كما عمل أحمد مساعدًا في الشؤون الاقتصادية في بعثة المفوضية الأوربية في دمشق منذ العام 2007.

كتب أحمد من وحي عمله في المكتب الإغاثي بداريا مقالًا في العدد 35 الصادر بتاريخ 21-10-2012 بعنوان «أموال الثورة.. إنها أمانة في أعناقكم» مسلطًا الضوء على بعض التصرفات والسلوكيات الخاطئة وتأثيرها على العمل الإغاثي، قال فيه: «فكرت في مظاهر الإسراف في أعمال الثوار دون الالتفات لأهمية التوفير في أموال التبرعات.. فالبعض يذهب بباقة ورد سعرها بضع مئات وربما بضعة آلاف من الليرات السورية لأهل شهيد، في حين أن وردة واحدة تكفي لإيصال الرسالة ذاتها في حين يمكن تحويل تتمة المبلغ لمواد غذائية تعين هذه العائلة المكلومة»

واعتبر أحمد «أن صرف الأموال بغير ضوابط يؤدي الى أمرين خطيرين: الأمر الأول: أن هذه التصرفات هي «خيانة» للأمانة. الأمر الثاني: أن الناس ستمتنع تدريجيًا عن التبرع للثورة إذا ما رأوا سوء إدارة لهذه الأموال».

ومن المواضيع ذات الأهمية التي ركز عليها أحمد أيضًا أزمة الخبز فكانت من أبرز ما كتب عنه قبل استشهاده، ففي العدد 54 الصادر في 3/3/2013. كتب أحمد: «لسنوات طويلة كان الشعار الدائم للحكومات المتعاقبة «الخبز خط أحمر» و «من غير المسموح التلاعب بلقمة عيش المواطن¬». ورغم كل تلك الوعود المتجددة والمتكررة، فقد وقعت أزمة الخبز وتفاقمت بما يفوق حد الخيال»

كما انتقد أحمد سياسة الحكومة الاقتصادية مشيرًا إلى تراجع إنفاق الحكومة على الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة السورية وفي مقدمتها الخدمات الصحية. «إذ يعاني كثير من المواطنين من صعوبة الحصول على الرعاية الصحية والطبية حتى الأولية منها لعدة أسباب منها خروج عدد كبير من المشافي العامة -والخاصة- من الخدمة نتيجة تعرضها للتخريب والقصف»

مهارة أحمد في البحث العلمي وحبه للمعرفة والأمانة العملية في نقل الحقيقة عبرت عنها زميلته رؤى حين صرحت لعنب بلدي «عندما أتذكر أحمد رحمه الله رفيق البحث والدراسة يتبادر إلى ذهني ذلك الشاب الخلوق والنشيط ، كان يمتهن البحث عن المعرفة يتنقل بين المؤسسات الحكومية بحثا عن معلومة أو رقم أو تقرير إحصائي أو أي شيء يعطي بحثه الكثير من الشفافية والحقيقة، ولم يبخل يومًا علينا بما قد حصده من معلومات، فقد كان أمينًا في بحثه كما كان في حياته.. رحمك الله يا أحمد.»

*****

·        رالة الكيلاني – (زميل أحمد في البعثة الأوروبية)

أحمد كان كنزًا عليك أن تبحث عنه

تعرفت على أحمد عام 2007 عندما انضم إلى فريق بعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق. شاب خجول، لا يتحدث كثيرًا لكنه ينصت جيدًا. مضى وقت دون أن يكترث رؤساؤه باكتشاف من هو، يعمل بصمت في مجال اختصاصه الاقتصادي دون أن يعطي أكثر مما يطلب منه لأنهم ببساطة لا يكترثون، ولكن حين أخذوا عناء الاقتراب منه، سرعان ما اكتشفوا أن أحمد لا غنى عنه بفضل شبكة علاقاته الواسعة ومعلوماته الدقيقة وقدرته التحليلية. وقبلهم، نحن زملاؤه السوريون، اكتشفنا إنسانًا محبًا صادقًا يريحك لحد يجعلك تتحدث دون حرج عما يجول في داخلك دون أن تعرف أنت عنه الكثير. كسب ثقتنا سريعًا فانتخبناه، وهو من أصغرنا سنًا، ممثلًا لنا أمام الإدارة. كان ينصت لمشاكل كل منّا ويحاول المساعدة دون ضجيج. فاجأني أثناء عملي مع أحمد وبعد استشهاده ذلك الأثر العميق الذي طبعه لدى العديد من موظفي الاتحاد ببروكسل ممن التقوه وتعاونوا معه، ربما أحيانا أكثر من بعض اللذين عملوا معه في دمشق، لا أعرف السبب بالضبط. ربما لأن أحمد كان كنزًا عليك أن تبحث عنه. بالنسبة لي، فضلًا لارتياحي التلقائي له، سرعان ما وجدت قواسم عديدة معه في الشأن العام، شجون وآمال. بعد انطلاق الثورة وانقسام العاملين في البعثة مع مرور الوقت إلى معسكرين كان أحمد يشكل جسرًا بينهما، يناقش المعادين للتغيير أو فقط الخائفين، بهدوء دون انفعال، ويحاول أن يتفهم هواجسهم ويناقشهم… قدر ما استطاع، في حين كانت الأقلية من المعسكر الآخر قد فقدت الأمل بأي تواصل. لن انسى كيف احتفظ أحمد لفترة طويلة خلال الأشهر الأولى من الثورة على مكتبه بنسخة من صحيفة رسمية على صفحتها الأولى صورة كبيرة لـ «مليونية» موالية. عندما تسأله لماذا، يجيبك لأتذكر دائمًا أن لهذا النظام موالون كثر أيضًا…

لن ينساك يا أحمد أحدا التقى بك.. أما أنا، فقد فقدت حقًا أخًا صغيرًا.

تابعنا على تويتر


Top